تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا فلعله كان صوت البلبل عن شبع ، وفراغ بال وصياح الفاختة عن مقاساة شدّة ، وتألم قلب والضمير في علمنا وأوتينا له ولأبيه عليهما الصلاة والسّلام أوله وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة ، والمراد من كل شيء كثرة ما أوتي كقوله : فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
الذي لا يخفى على أحد
وَحُشِرَ
وجمع
لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
يحبسون يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ
واد بالشأم كثير
شرح
بمعنى قصده ، وقوله نصف ثمرة بالثاء المثلثة معلوم . قوله : ( فعلى الدنيا العفاء ) بفتح العين والمدّ كما قال صفوان بن محمد إذا أكلت كسرة وشربت ماء فعلى الدنيا العفاء وهو مثل للترك لعدم المبالاة ويكون العفاء بمعنى الدروس والانمحاء ، ومنه عفا اللّه عنه إذا محى ذنوبه والأنسب هنا الأوّل . قوله : ( فلعله الخ ) يعني ليس هذا ما فهمه من صوته دائما بل في ذلك الوقت لما ذكر وقوله والضمير الخ إشارة إلى أنّ هذا يستعمله المتعظمون فكيف هو هنا ومقام النبوّة لا يناسبه وإن كانوا عظماء ، ولذا سمي بعض النحاة نون نقوم نون العظمة وقال الزمخشريّ : إنه يقال لها نون الواحد المطاع فأجاب ، أولا بأنها إنما تكون كذلك إذا لم يكن مع المتكلم غيره وأبوه معه وثانيا بأنه كان ملكا مطاعا فتكلم بما يليق بحاله الذي كان عليه ، قال الزمخشري : وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه وإظهار آيينه وسياسته مصالح فيعود تكلف ذلك واجبا وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل نحوا من ذلك إذا وفد عليه وفد أو احتاج أن يرجح في عين عدوّ ألا ترى كيف أمر صلّى اللّه عليه وسلّم العباس بحبس أبي سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب « 1 » وقوله قواعد السياسة في نسخة السيادة . قوله : ( والمراد من كل شيء الخ ) لأنّ كل للإحاطة ، وقد ترد للتكثير كثيرا أو هو كناية أو مجاز مشهور ، وظاهره أنّ من زائدة لأنه لولاه لم يحتج للتأويل ، ولم يلتفت إليه لأنه غير مناسب لمقام المدح والتحدّث بالنعم . قوله تعالى : (مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِالخ ) تخصيص الثلاثة لأنه لم يسخر له الوحش ، وتقديم الجنّ لأنه في بيان التسخر له ، وتسخير الجنّ أعظم أشق من تسخير الإنس والطير ولم يقدّم الطير لذلك لئلا يفصل بين الجنّ والإنس المتقابلين ، والمشتركين في التمييز والتكليف ، وما قيل من أنّ مقام التسخير لا يخلو من تحقير فهو مناسب لتقديمهم لأنهم أحقر لا الإنس ليس بشيء لأنّ التسخير للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام شرف لأنه في الحقيقة للّه الذي سخر كل شيء ، فإن قيل إنه كذلك من حيث هو في نفسه فمسلم لكنه مع أنه لا حاجة إليه ليس مناسبا للمقام ، وقوله يحبس أوّلهم على آخرهم أي يوقف أوّلهم شفقة على آخرهم لانتظارهم . قوله : ( واد بالشأم ) وقيل بالطائف ، وقوله وتعدية الفعل أي أتى مع أنه يتعدّى بنفسه أو بإلى إمّا لأنّ إتيانهم الوادي كان من جانب عال فعدى بها للدلالة على ذلك كما في قول المتنبي :
هامش
( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 4 / 15 .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 231 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي