تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ
تقرير لحقبة تلك القصص ، وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّ الأخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من اللّه عز وجلّ والقلب إن أراد به الروح فذاك ، وإن أراد به العضور فتخصيصه لأنّ المعاني الروحانية إنما تنزل أوّلا على الروح ، ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق ، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة ، والروح الأمين جبريل عليه السّلام فإنه أمين اللّه على وحيه وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائيّ بتشديد الزاي ونصب الروح والأمين
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
عما يؤدّي إلى عذاب من فعل أو ترك
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
واضح المعنى لئلا يقولوا ما نصنع بما لا نفهمه فهو متعلق بنزل ، ويجوز أن يتعلق بالمنذرين أي لتكون ممن أنذروا بلغة العرب ، وهم هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد
شرح
طوفان نوح عليه الصلاة والسّلام ، ولا كونه ابتلاء لهم كما يبتلى المؤمنون . قوله : ( تقرير لحقية تلك القصص ) لكونها من عند اللّه فضمير إنه لما ذكر قبله والتنبيه على إعجازه بما فيها من الأخبار عن المغيبات ، وهو لا ينافي كونه معجزا بنظمه ، وقوله ونبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من نزول الوحي عليه كما أشار إليه بقوله فإنّ الخ ، وقوله إن أراد به الروح لأنه يطلق عليها كما ذكره الراغب ، وقوله : فذاك أي فالأمر ذاك واضح صحيح لأنّ المدرك هو الروح ، وقال على قلبك دون عليك الأخصر إشارة إلى أنه لم ينزل في الصحف كغيره من الكتب . قوله : ( لأنّ المعاني الروحانية الخ ) إن كان هذا بناء على أنّ جبريل عليه الصلاة والسّلام أنزل له المعاني خاصة ، وهو عبر عنها بلسانه فظاهر لكنه خلاف القول الأصح عند المسفرين والمحدّثين ، وإن كان هذا على المشهور بأنه أوحى إليه بألفاظه تارة كصلصلة الجرس ، وتارة بتمثيل الملك له فينصل بالسمع أوّلا ، ثم يرتسم في الخيال ويدركه الروح لا بالعكس وإسقاط الواسطة بشدّة تلقيه لا يفيد هنا كما لا يخفى فلعلّ المراد بالمعاني ما يقابل الأعيان لا ما يقابل الألفاظ ، ويكون هنا شأنا خاصا بالأنفس القدسية والأرواح المقدسة كأنها لقوّتها تسبق الحواس في إدراك ما يبقى منها حتى كأنها تأخذه منها على عكس ما للعامّة ، وليس المراد بالمعاني ما يقابل الألفاظ لأنّ المراد بالقرآن هنا معناه القديم لقوله :وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 196 ] فإنّ ما فيها معناه لا لفظه لأنه بتقدير مضاف أي وإنّ معانيه كما سيأتي ولا وجه لما قيل إنّ النازل غالبا هو المعاني ، وما ذكر باعتباره فتأمّل ، ولوح المتخيلة تخييل والمراد بالمتخيلة الخيال . قوله : ( واضح المعنى ) إشارة إلى كون مبين من أبان اللازم ، وقد جعل من المتعدّى على معنى مبين للناس ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم ، وقوله لئلا يقولوا الخ أي فيتعذر الإنذار ، وإذا تعلق بنزل فهو بدل من به بإعبادة العامل ، وقوله وهم هود الخ هذا بناء على المشهور ، وزاد بعضهم خالد بن سنان وصفوان بن حنظلة ، وعلى تعلقه بالمنذرين فالمعنى أنك أنذرتهم كما أنذر آباؤهم الأوّلون وأنك ليست بمبتدع لهذا فكيف كذبوك فاندفع ما قيل إنه ليس فيه كبير فائدة إذ معناه إنك من جملة من أنذر بلغة عربية ، وقوله بلغة العرب إشارة إلى أنه ليس المراد