يقرّب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه ، وكان الأنبياء متفقين على ذلك ، وإن اختلفوا في بعض التفاريع مبرّئين عن المطامع الدنيئة والأغراض الدنيوية
أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
بكل مكان مرتفع ، ومنه ريع الأرض لارتفاعها
آيَةً
علما للمارّة
تَعْبَثُونَ
ببنائها إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فلا يحتاجون إليها أو بروج الحمام أو بنيانا يجتمعون إليه للعبث بمن يمرّ عليهم أو قصور يفتخرون بها
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ
مآخذ الماء ، وقيل قصورا مشيدة وحصونا
لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
فتحكمون بنيانها
وَإِذا بَطَشْتُمْ
بسيف أو سوط
بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
متسلطين غاشمين بلا رأفة ، ولا قصد تأديب ونظر في العاقبة
فَاتَّقُوا اللَّهَ
بترك هذه الأشياء
وَأَطِيعُونِ
فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ
كرّره مرتبا على امداد اللّه تعالى إياهم بما يعرفونه من أنواع النعم تعليلا وتنبيها على الوعد عليه بدوام الإمداد والوعيد على تركه بالانقطاع ، ثم فصل بعض تلك النعم كما فصل بعض مساويهم
شرح
فيتضمن معرفة اللّه وجميع الطاعات فلا حاجة إلى ما قيل إنها تتوقف على المعرفة فيعلم بالاقتضاء ، والطريق الأولى أو أنها مجاز عن معرفته ، ووجه ما ذكر أنهم لم يرتبوا على رسالتهم إلا ما ذكر فعلم أنها مقصورة عليها ، ولا قائل بالفصل بين رسالة ورسالة ، وقوله وكان الأنبياء متفقين على ذلك ، وفي نسخة وأنّ الأنبياء متفقون الخ لأن اتفاق هؤلاء يقتضي أنها مقتضى النبوّة والرسالة كما مرّ . قوله : ( ومنه ريع الأرض لارتفاعها ) أي لما ارتفع منها وأمّا الريع بمعنى النماء والحاصل فاستعارة ، وقيل أصل الريع الزيادة ، وقوله إذ كانوا يهتدون بالنجوم فلا يحتاجون إليها غالبا إذ مرّ الغيم نادر لا سيما في ديار العرب مع أنه لو احتيج لها لم يحتج إلى أن يجعل في كل ريع فإنّ كثرتها عبث ، وقال الفاضل اليمني أنّ أماكنها المرتفعة تغني عنها فهي عبث فلا يرد ما قيل إنه لا نجوم بالنهار ، وقد يحدث بالليل ما يستر النجوم من الغيوم ، وقوله أو بروج الحمام معطوف على قوله علما وهذا تفسير مجاهد ، وقوله مآخذ الماء هي مجاريه ، وقوله فتحكمون بنيانها أي لظنّ الخلود بها . قوله : (وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) قيل بزيادة القيد تغاير الشرط والجزاء فلا حاجة لتأويله بإذا أردتم البطش كذلك ولا إلى أنه أريد المبالغة باتحاد الشرط والجزاء وردّ بأنّ التقييد لا يصحح التسبب لأنّ المطلق ليس سببا للمقيد فلا بدّ من التأويل المذكور إلا أن يقال الجزائية باعتبار الأعلام والأخبار وفيه نظر ، وقوله بلا رأفة تفسير لغاشمين . قوله : ( كرره ) أي الأمر التقوي مرتبا على الإمداد لإفادته عليه مأخذ الاشتقاق فيكون تعليلا مقدّما بحسب الرتبة ، وإن تأخر لفظا وفي نسخة مرتبا عليه إمداد اللّه وهو بحسب الذكر واقع ، وتنبيها وقع في نسخة أو بدل الواو والأولى أولى ووجهه إن جعل الإمداد مرتبا عليه التقوى يشير إلى دوامه بدوامه وانقطاعه بانقطاعه إذ التقوى شكر له ، وقد قال :لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[ سورة إبراهيم ، الآية : 7 ] . قوله : ( ثم فصل بعض تلك النعم ) يعني بقوله أمدّكم بأنعام الخ فإنه تفسير له أو بدل منه ففي كل من النعم والمساوي إجمال