نعدّهم شفعاء وأصدقاء أو وقعنا في مهلكة لا يخلصنا منها شافع ولا صديق وجمع الشافع ووحدة الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق ولأنّ الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء ، أو لاطلاق الصديق على الجمع كالعدوّ لأنه في الأصل مصدر كالحنين
والصهيل
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
ثمن للرجعة وأقيم فيه لو مقام ليت لتلاقيهما في معنى التقدير ، أو شرط حذف جوابه
فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
جواب التمني أو عطف على كرّة ، أي لو أن لنا أن نكرّ فنكون من المؤمنين
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي فيما ذكر من قصة إبراهيم
لَآيَةً
لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر فإنها جاءت على أنظم ترتيب ، وأحسن تقرير يتفطن المتأمّل فيها لغزارة علمه لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلائلها ، وحسن دعوته للقوم وحسن مخالقته معهم ، وكمال إشفاقه عليهم وتصوّر الأمر في نفسه ، وإطلاق الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا وإيقاظا لهم ليكون أدعى لهم إلى الاستماع والقبول
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ
أكثر قومه
مُؤْمِنِينَ
به
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
القادر على تعجيل الانتقام
الرَّحِيمُ
بالامهال لكي يؤمنوا هم أو أحد من ذرّيتهم
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
شرح
الخ ) وما قيل من أنه إشارة إلى أنه لا فرق بين استغراق الجمع والمفرد ، وليس الثاني أشمل من الأول كما زعمه بعضهم مع مراعاة الفاصلة فتكلف على ما بين في المعاني ، مع أنّ هذا ليس من محل الخلاف لأنّ من إذا زيدت بعد النفي داخلة على الجمع جعلته في حكم المفرد ، ومساويا لأل في الاستغراق بلا خلاف .
قوله : ( ولأنّ الصديق الواحد الخ ) يعني فالواحد في معنى الجمع فلذا اكتفى به لما فيه من المطابقة المعنوية كما قيل :وواحد كالألف إن أمر عناوقوله أو لإطلاق الصديق الخ يعني بخلاف الشافع ، وسكت عنه لظهوره ، والحنين مصدر حنّ إليه إذا اشتاق والصهيل صوت الخيل وفعيل مطرد في الأصوات ، ولو قال لكونه على زنة المصدر كان أحسن لأنه لم يسمع صديق وعدوّ وبمعنى الصداقة والعداوة . قوله :
( تمنّ للرّجعة ) التمني معنى لو ، والرجعة معنى الكرة من كر إذا رجع ، وقوله : وأقيم فيه لو مقام ليت واستعمال لو للتمني بدليل النصب في جوابه ذكره النحاة ، واختلف فيه فقيل هو معنى وضعيّ ، وقيل إنه مجاز وهل هي في الأصل مصدرية أو شرطية ، وإلى الأخير أشار المصنف لظهور وجه التجوّز فيه لأنّ لو تدل على الامتناع والتمني يكون لما يمتنع فأريد بها ذلك مجازا مرسلا أو استعارة تبعية ، ثم شاع حتى صار كالحقيقة فيها ، وقوله حذف جوابه وتقديره رجعنا عما كنا عليه أو خلصنا من العذاب ونحوه . قوله : ( أو عطف على كرّة ) يعني إذا كانت لو شرطية جوابها محذوف نحو لكان لنا شفعاء أو ما أضلنا المجرمون ، ويجوز هذا أيضا على التمني كما يجوز عطفه على إنّ لنا كرّة ، وقوله وعظة لأنّ الآية تكون بمعنى العبرة ، وأصول