أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر وسماه رسولا على السخرية
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما
تشاهدون كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ، ويحرّكها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك لا ينهم أوّلا ، ثم لما رأى أي شدّة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
عدولا إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع ، وهكذا ديدن المعاند المحجوج واستدلّ على ادّعائه للألوهية ، وإنكاره الصانع ، وإن تعجبه بقوله ألا تستمعون من نسبة الربوبية إلى غيره ، ولعله كان دهر بابا أو اعتقد أنّ من ملك قطرا أو تولى أمره بقوّة طالعه استحق العبادة من أهله ، واللام في المسجونين للعهد أي ممن عرفت حالهم في سجوني فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ، ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
أي أتفعل ذلك ، ولو جئتك بشيء يبين صدق
شرح
ذكر كفاية لمن يفهم ولو لم يقصد هذا لم يرتبط به ما بعده ، ونحوه ما قيل إنه لم يتعرّض له لعدم إمكان تفهيمه ، وستسمع تتمته .
قوله : ( اسأله عن شيء الخ ) لأنه سأل عن الحقيقة فأجابه بالوصف على الأسلوب الحكيم فلم يفهم مطابقته ، ولم يتعرّض لتفسيره على الأخيرين لأنه جعل هذا ناظرا إلى أوّل كلامه ، وإنه عدل إلى الطنز لحيرته ، وعدم قدرته على دفع ما ذكره وقوله تشاهدون الخ يعني أنّ تحريك الشمس على مدارات مختلفة دالّ بتغيرها على حدوثها ، وأنّ لها صانعا قادرا حكيما . قوله : ( إن كان لكم عقل الخ ) يعني أنه منزل منزلة اللازم هنا لأنه أبلغ ، وأوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه للإشارة إلى أنهم مظنته لا هو كما أشار إليه بقوله وعارضهم بمثل مقالتهم ، وقوله لا ينهم أي عاملهم باللين والرفق لما قال لهم إن كنتم موقنين وخاشنهم أي أغلظ عليهم في الردّ بقوله إن كنتم تعقلون وقوله عن المحاجة متعلق بقوله عدولا والديدن العادة والحجوج المغلوب بردّ حجته . قوله : ( واستدلّ به ) أي استدلّ بما ذكر هنا من قوله :وَما رَبُّ الْعالَمِينَالخ على أنّ فرعون كان يدّعي الألوهية ، وإن كان قوله ويذرك وآلهتك يقتضي أنه مشرك ، ولذا قال : من ذهب إلى هذا أنه كان يدّعي الألوهية لنفسه ، ولها أيضا وهو بعيد وقوله : ( وإن تعجبه ) الخ قيل مراده على جواز ما ذكر فلا ينافي ما مرّ في تفسيره ، وهو تكلف ما لا حاجة إليه لأنّ ما مرّ مبنيّ على ما ارتضاه كما أشار إليه بقوله ولعله كان دهريا الخ والقطر بضم فسكون جانب الأرض ، وقوله بقوّة طالعه بناء على زعمه في تأثير الكواكب كما تقول الدهرية . قوله : ( واللام الخ ) وجه كونه أبلغ من لأجعلنك مسجونا الأخصر ما فيه من الإشارة إلى سجن مخصوص لا يرجى منه الخلاص ، وهو ظاهر وليس هذا من قبيل كانت من القانتين ، وذاك نوع آخر فيه بلاغة أخرى كما ذكره ابن جنى رحمه اللّه تعالى . قوله : ( أي أتفعل ذلك ) يعني إنكار نبوّتي وكفرك ، وقوله : يبين صدق دعواي فهو من أبان المتعدّي ومفعوله