تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
بعدما قالوا له إما أن تلقى وإمّا أن نكون نحن الملقين ، ولم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلا به إلى إظهار الحق
فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ
أقسموا بعزته على أنّ الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ
تبتلع وقرأ حفص تلقف بالتخفيف
ما يَأْفِكُونَ
ما يقبلونه عن وجهه بتمويههم ، وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى أو افكهم تسمية للمأفوك به مبالغة
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
لعلمهم بأنّ مثله لا يتأتى بالسحر ، وفيه دليل على أنّ منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئا لا حقيقة له ، وأنّ التبحر في كل فنّ نافع وإنما بدل الخرور
شرح
لما طلبوا منه ، وقوله زيادة عليه أي على الأجر من قوله وإنكم الخ وقوله : إن غلبوا معنى قوله إذا لأنها جواب وجزاء كما أشار إليه بقوله فإذا الخ ، وقوله بالكسر أي بكسر العين مع فتح النون . قوله : ( ولم يرد الخ ) يعني أنّ السحر حرام ، وقد يكون كفرا على ما فصل في الأحكام وعلى كل حال فلا يليق من النبيّ المعصوم الأمر به فدفعه بأنّ الأمر هنا ليس على حقيقته لأنهم فاعله لا محالة ، وإن لم يقل لهم ذلك كما أشار إليه بقوله ما أنتم ملقون ، ولذا عبر بالاسمية فهو عبارة عن الإذن بتقديمه ليتوسل به إلى إبطاله المتوقف عليه كما يؤمر الزنديق بتقرير حجته لتردّ فإنّ الممتنع هو الرضا على طريق الاستحسان لا مطلق الرضا ، وما اشتهر من قولهم رضا الكفر كفر ليس على إطلاقه كما عليه المحققون من الفقهاء وأهل الأصول ، وقوله ما هم فاعلوه لأنه علم ذلك بفراسة صادقة أو إلهام أو وحي ، ولأنّ الظاهر أنّ فرعون بعد إحضارهم لذلك يحملهم عليه فما قيل إنه في ظنه لا وجه له ولا يناسب كلام المصنف . قوله : ( أقسموا بعزته ) وخصوها بالقسم هنا لمناسبتها للغلبة ، وإذا فجائية وتلقف أصله تتلقف عبر بالمضارع لاستحضار الصورة ، والدلالة على الاستمرار وأصل التلقف الأخذ بسرعة ، وفسر هنا بالابتلاع ، وقوله ما يقلبونا أي يغيرونه عن وجهه أي حاله الأوّل من الجمادية إلى كونه حيا نضرا وفيه إشارة إلى أنّ ما موصولة حذف عائدها للفاصلة ، وقوله إفكهم إشارة إلى جواز كونها مصدرية . قوله : ( وفيه ) أي في سجودهم ، وتسليمهم له دليل على أنّ منتهى السحر تمويه أي تلبيس من موّه الأمر إذا أظهر منه ما ليس فيه ، وأصله أن يطلى بالذهب المذاب كالماء ووجهه أنّ السحر أقوى ما كان في زمن موسى عليه الصلاة والسّلام ، ومن أتى به فرعون أعلم أهل عصره به وقد بذلوا جهدهم وأظهروا أعظم ما عنده منه ، وهو تمويه فعلم ما ذكر ولكن ليس كل سحر كذلك ، وإنما هذا هو الغالب فيه والتزويق التزيين والتحسين ، وأصله أن يجعل الزاووق وهو الزئبق مع الذهب ، ويطلى به ثم يدخل في النار فيطير الزاووق ، ويبقى الذهب ، ثم قيل لكلّ مزين ومنتقش مزوّق . قوله : ( وإن التبحر ) معطوف على قوله إنّ منتهى السحر والتبحر تفعل من البحر ، وهو عبارة عن زيادة العلم وسعته أي زيادة العلم نافعة في كل فنّ وإن لم يكن من العلوم الشرعية فإنّ هؤلاء السحرة لتبحرهم في علم السحر علموا حقيقة ما أتى به موسى عليه