تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الذين كانوا يكفرون في دينهم
قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
من الجاهلين وقد قرىء به والمعنى من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه ، أو من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله أو الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب ، أو الناسين من قوله إن تضل إحداهما
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
حكمة
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
ردّ أوّلا بذلك ما وبخه به قد حافى نبوّته ، ثمّ كرّ على ما عدّ عليه من النعمة ، ولم يصرّح بردّه لأنه كان صدقا غير قادح في دعواه بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببا عنها فقال :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
أي وتلك التربية نعمة تمنها عليّ بها ظاهرا وهي
شرح
إليه المصنف رحمه اللّه ، وإلا فالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام معصومون عن الكفر قبل النبوّة وبعدها ، وكونه افتراء عليه بعيد لأنه لو علم بإسلامه أوّلا سجنه أو قتله إحدى التاءين يعني في الفعلين السابقين ، وكونه حكما مبتدأ أي غير حال فهو إمّا مستأنف أو معطوف ، وقوله من الكافرين بالهيته الكفر بمعنى الجحد أو على زعمه ، وقوله أو بنعمته هو الوجه الأوّل بعينه والمغايرة بينهما في وجهه فإنه في الأوّل قتل خواصه وفي هذا مخالفته له ، وفي الوجه الأخير مبنيّ على اعتقادهم الباطل . قوله : ( قال فعلتها إذا ) أي إذ ذاك وفي الآية لف ونشر مشوش ، وأقرّ بالقتل لثقته بحفظ اللّه له ، وقوله من الجاهدين فسر الجهل بما ذكر ومحصله الإقدام من غير مبالاة بالعواقب وهو بهذا المعنى في أكثر استعمالات العرب كقوله :ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهليناوالفرق بينه وبين الثالث أنه في هذا عالم بالعواقب دون ذاك ، والضلال يستعمل بمعنى الجهل كما يستعمل الجهل بمعناه ، وما يؤول إليه الوكز هو القتل ، ولأنه يتعلق بالذاهلين ، وتفسيره بالجاهلين بالشرائع غير مناسب والفرق بين الثاني والثالث غير ظاهر ، وكونه في مجرّد التعبير لا محصل له ، وهذا جواب لما وبخه به وكون الضلال بمعنى النسيان مرّ تحقيقه في سورة البقرة . قوله : ( لما خفتكم ) أي حين الخوف لقوله :إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ[ سورة القصص ، الآية : 20 ] وقوله : حكمة أراد بها النبوّة وما وبخه به هو القتل وكفران نعمته ، والردّ بأنه قبل النبوّة وكان خطأ منه ، وكرّ بمعنى رجع أي إلى ردّ ما ادعاه من نعمة التربية ، وقوله : ولم يصرّح بردّه لأنه اعترف به بقوله وتلك نعمة بخلاف الأوّل فإنه لما قدح في نبوّته بالقتل العمد قال : إنه لم يكن عمدا ، وإنه قبل النبوّة فلا يتوهم أنّ الأوّل غير صريح أيضا كما قيل ، والنعمة استعباد بني إسرائيل حتى صار هو في حجره . قوله : ( لأنه كان صدقا ) فلا يناسب رده بنفسه صراحة بخلاف القتل كما مرّ وتربيته له غير قادح فيه لا حقيقة ولا توهما بخلاف الأوّل فإنه يتوهم فيه القدح ، وقوله تمنها عليّ بها كذا في أكثر النسخ ، وكان الظاهر إسقاط الضمير ، وقد قيل إنه إشارة إلى أنه من الحذف والإيصال فهو بتقدير أي بها أو هو عطف بيان على الضمير وهو تكلف ، وقوله بها وتمنها بمعنى تعدّها عليّ من المنّ وهو على ظاهره من الاستقبال أو تنعم بها من المنة والمضارع لاستحضار الصورة ، والتعبيد التذليل باتخاذهم عبيدا ،