تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
أي إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم أنّ هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعدّدها وتغير أحوالها فلها مبدأ واجب لذاته ، وذلك المبدأ لا بدّ وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس منها ، وما لا يمكن وإلا لزم تعدّد الواجب أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال ، ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجة لامتناع التعريف بنفسه ، وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ
جوابه سألته عن حقيقته ، وهو يذكر أفعاله أو يزعم أنه ربّ السماوات ، وهي واجبة متحرّكة لذواتها كما هو مذهب الدهرية ، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصوّر حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمّل
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي
شرح
محذوف يدلّ عليه قوله عرفه الخ أو بالتخفيف ، وما مصدرية أي لامتناع تعريف الأفراد ، والمراد بتعريفه بيان حقيقته بقرينة قوله حقيقة المرسل فلا يقال أنّ الأولى أن يقول لما امتنع تعريفه بدل تعريف الإفراد إذ هو اللازم من كلامه لأنّ ما ذكر إثبات للمدّعي بطريق برهاني كما لا يخفى . قوله : ( وإليه أشار ) أي إلى امتناع تعريف حقيقته كما في سائر الأفراد المعينة إلا بذكر الخواص ، وقوله الأشياء إشارة إلى أنّ له مفعولا عامّا مقدّرا ، ويحتمل أن يريد أنه نزل منزلة اللازم والمعنى إن كنتم ممن شأنه الإيقان ، وقوله لتركبها لأنّ التركب يستلزم الحدوث كما بين في الكلام ، وكذا التعدّد كما مرّ وتغير أحوالها محسوس ، واستلزام تعريفه بحقيقته لتعريفه بنفسه ليس مغالطة كما قيل بل لأنه لا أجزاء له لا ذهنية ولا خارجية ، وتعريف الشيء بنفسه باطل للزوم توقفه على نفسه كما قرّره في محله ، وليس هذا مبنيا على تجانس الأجسام كما سبق إلى بعض الأوهام . قوله : ( جوابه ) هو مفعول تستمعون ، وقوله أو يزعم في نسخة زعم ، وهو معطوف على يذكر ، وقد جوّز عطفه على سألته وقوله أو غير الخ يعني على زعمه الفاسد إذ هي كذلك في النظرة الحمقاء ، وذلك لعدم العلم بإمكانها وحدوثها الذي هو علة الحاجة لما ذكر لا لأنّ التأثير لا ينافي دعواه الربوبية ، وأنه إله العالم فلا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم هنا . قوله : ( عدولا إلى ما لا يمكن الخ ) يعني أنه لما أنكر خلق السماوات والأرض لتوهمه قدمها عدل إلى ذكر هذا لإلزامه إذ لا يشك في حدوثه وافتقاره ، والنظر في الأنفس أقرب وأوضح من النظر في الآفاق ، وقوله مثله الضمير لما مرّ من الوجوب ، وعدم الافتقار إلى مؤثر ، ومثل مقحمة كقوله مثلك لا يبخل ، ثم إنّ المصنف بني تفسيره هنا على الوجهين الأخيرين في تفسير الآية السابقة ، ولذا قيل إنه رجحهما على الوجه الأوّل ويجوز أن يقال على الوجه الأوّل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم عدل إلى ذكر لازم أجلى وأظهر من الأوّل تنبيها على عدم إمكان تعريفه بدون خواصه ، ولك أن تقول إنّ قوله ويكون أقرب الخ إشارة إليه ، ومعناه أنه عدل عن الجواب بحقيقته إلى ما هو أوضح إشارة إلى أنّ ما سأل عنه لا يمكن الوقوف عليه ، وإنّ فيما