قامع للعطش من فرط عذوبته
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
بليغ الملوحة وقرىء ملح على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
حاجزا من قدرته
وَحِجْراً مَحْجُوراً
وتنافرا بليغا كان كلا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوّذ للمتعوّذ عنه وقيل حدّا محدودا
شرح
وهو بيان لكونه أكبر أيضا ولم يحمله على الجهاد بالسيف لأنّ السورة مكية . وقوله : إلى كافة القرى فهم من قوله : ولو شئنا الخ واستعمل كافة معرفة غير منصوبة على الحال وقد منعه بعضهم والجواب عنه مذكور في شرحنا للدرة . قوله : ( خلاهما بالتشديد ) أي تركهما والمرج وإن كان مطلق الاختلاط ومنه الهرج والمرج لكن ما ذكره يفهم مما بعده إذ لو اختلطا لم تبق الحلاوة فيه والإشارة إلى كل منهما على حدة دالة على ذلك أيضا ومرج الدابة إرسالها لترعى .
وقوله : هذا عذب فرات الخ إمّا استئناف أو حال بتقدير مقولا فيه والفرات الشديد العذوبة من فرته وهو مقلوب من رفته إذا كسره لأنه يكسر سورة العطش ويقمعها كما أشار إليه المصنف والأجاج ضدّه وهو الشديد الملوحة ، وقوله : قرئ سلح بوزن حذر هي قراءة شاذة لطلحة ابن مصرف والحامل على القول بأنّ أصله مالح فخفف إنه لم يسمع ملح بمعنى مالح ولذا أنكر هذه القراءة أبو حاتم . وقوله : كبرد في بارد يشير إلى ما سمع عن العرب في قوله :أصبح قلبي صردا وصليانا برداالخ إلا أنه قيل عليه إنّ الأحسن جعله لغة أصلية أو مخفف مليح لأنه ورد بمعنى مالح لأنّ مالحا أنكره بعض أهل اللغة وقال إنه عامي وإن كان الصحيح أنه مسموع من العرب كما أثبته أهل اللغة وأنشدوا لإثباته شواهد كثيرة . قوله : ( حاجزا من قدرته ) فهو كقوله :بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها *يريد لا عمد لها . وإنما هي مرفوعة بقدرته كما مرّ . قوله : ( وتنافرا بليغا ) بيان للمعنى المراد منه وهو التمييز التام وعدم الاختلاط وقد مر أنّ حجرا محجورا كلام يقوله المستعيذ لما يخافه كما فصلناه ثمة فأشار المصنف إلى أنه مراد هنا لكن مجازا كما في قوله تعالى :بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ[ سورة الرحمن ، الآية : 20 ] فجعل كلا منهما في صورة الباغي على صاحبه المستعيذ منه وهي استعارة تمثيلية كما في تلك الآية وتقريرها كما في شروح الكشاف أنه شبه البحران بطائفتين متعاديتين يريد كل منهما البغي على الآخر لكنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي مجبر فهي مصرّحة تمثيلية بولغ فيها هنا حيث جعل المعنى المستعار كاللفظ المقول لأنّ كلا منهما يتعوّذ من صاحبه فانقلبت المصرحة مكنية ولذا كانت من أحسن الاستعارات فلما منعه لما فيه من الاختلاط شبه ذلك المنع بجعلهما قائلين هذا القول فعبر بأنه جعل بينهما هذه الكلمة عن ذلك وظاهر تقريرهم أنه لا تقدير فيه وقد جعل بعضهم على هذا حجرا محجورا منصوبا بقول مقدّر ولا بعد فيه وجوّز فيه بعضهم أن يكون مجازا مرسلا فأطلق حجرا محجورا على ما يلزمه من التنافر البليغ وقال إنّ كلام المصنف يحتملهما . وقوله : كان الخ بيان للزوم أو للمشابهة وما قبله بيان لحاصل المعنى والمتعوّذ بصيغة الفاعل ولما فيه من معنى التباعد علق به قوله عنه أي عن الآخر فتدبر . قوله : ( وقيل حدّا محدودا ) فحجرا بمعنى منعا صار بمعنى مانع