وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوّة لأنّ المتشاركين في الأمر متوازران عليه
فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا
يعني فرعون وقومه
بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً
أي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم والتعقيب باعتبار الحكم لا الوقوع وقرىء فدمرتهم فدمراهم فدمرانهم على التأكيد بالنون الثقيلة
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ
شرح
إظهار التوحيد وهو مجاز معروف كما في الحديث من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا . وقوله :
ولا ينافي الخ إشارة إلى قوله :وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا[ سورة مريم ، الآية : 53 ] وأنه لا ينافي هذا لأنه وإن كان نبيا فالشريعة لموسى عليه الصلاة والسلام وهو تابع له فيها كما أنّ الوزير متبع لسلطانه . وفي قوله : وجعلنا إشارة إلى نبوّته أيضا إلا أنّ في قوله : لأنّ المتشاركين الخ قصورا لأنه لو كانت الوزارة بمعنى الاشتراك صح جعل موسى وزيرا فلا بدّ من قيد التبعية ولذا قال ووهبنا له ثمة دون جعلناه نبيا لكنه اعتمد على فهمه من جعله معاونا له لظهوره فلا يرد عليه شيء . قوله : ( بآياتنا ) إمّا متعلق باذهبا وهي الآيات التسع فمعنى كذبوا فعلوا التكذيب قيل وهو ظاهر من صنيع المصنف وفصله منه أو بكذبوا لقربه منه فالآيات دلائل التوحيد أو الآيات التي جاءت بها الرسل الماضية أو التسع وحينئذ يحتاج إلى جعل صيغة الماضي بمعنى المستقبل لتحققه إن لم يكن ذهابا ثانيا لكنه قيل إنه لا يناسب المقام فالمضي بالنظر إلى زمن الحكاية للرسول لا إلى زمن المحكي كما قيل ولا يخفى أنه بناء على أنه يعتبر زمن الأخبار وهو مرجوح عندهم كما تقرر في الأصول إذ المعتبر زمن الحكم فتأمّل . قوله :
( فذهبا إليهم الخ ) يشير إلى أنّ فيه إيجاز حذف وأن الفاء في قوله فدمرناهم فصيحة لأنّ أمره مستلزم لامتثالهما وتدميرهم للتكذيب فهو في قوّة المذكور ولذا اختصر وضمن قوله : اختصر معنى الاقتصار فعداه بعلى أو حمله عليه وحاشيتا القصة طرفا قصتهما في الدعوة وهي إلزام الحجة بالبعثة التي في قوله اذهبا فإنّ المقصود ادعواه وألزماه الخ وقال : استحقاق التدمير لأنه هو المتعقب على التكذيب ولذا قال والتعقيب باعتبار الحكم لأنّ حكمه الذي يعقب تكذيبهم لاستحقاقهم فهذا إمّا توجيه آخر للتعقيب أو هما واحد لتلازمهما وتقاربهما وقد علم الجواب عن أنه وقع بعد أزمنة متطاولة فلا حاجة إلى جعل الفاء سببية أو لمجرد الترتيب أو باعتبار أنه نهاية التكذيب . وقوله : فقلنا معطوف على جعلنا المعطوف على آتينا بالواو التي لا تقتضي ترتيبا فيجوز تقدّمه مع ما يعقبه على إيتاء الكتاب . فلا يرد أن إيتاء موسى الكتاب وهو التوراة بعد هلاك فرعون وقومه فلا يصح الترتيب إلا أن يراد بالكتاب الحكم والنبوّة ولا يخفى بعده .
قوله : ( وقوم نوح ) بالنصب بمقدر أي واذكر قوم نوح أو هو منصوب بمضمر يفسره أغرقناهم ويرجحه أنّ قبله جملة فعلية . وفي الدر المصون أنه إذا كان لما ظرف زمان وأمّا إذا كان حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى هذا لأنّ جوابها لا يفسر وجوّز فيه تبعا للقرطبي وأبي حيان عطفه على مفعول دمرناهم وردّ بأن تدمير قوم نوح ليس مترتبا على تكذيب فرعون وقومه فلا يصح