تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان عليه الصلاة والسّلام أمّيا وكانوا يكتبون فلو ألقى إليه جملة تعني بحفظه ولعله لم يستتبّ له فإنّ التلقف لا يتأتى إلا شيئا فشيئا ولأنّ نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدّى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه ولأنه إذا نزل به جبريل حالا بعد حال تثبت به فؤاده ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة وكذلك صفة مصدر محذوف والإشارة إلى إنزاله مفرقا فإنه مدلول عليه بقوله لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ولذلك وقف عليه فيكون حالا والإشارة إلى الكتب السابقة واللام على
شرح
في إعجازها ويؤيده أنّ الشاعر البليغ يقول القصيدة الطويلة دفعة واحدة كما في المعلقات مع اتفاقهم على بلاغتها وإن لم تكن معجزة وأيضا لو سلم لكانت بلاغتها مختصة بمن علم سبب نزولها فاللازم إنما هو أن يفهم من سياقها مطابقتها لمقامها ولو كان قبل تحققه فافهم . قوله : ( حيث كان أمّيا وكانوا يكتبون ) أي ويقرؤون الخط للزومه للكتابة فيسهل عليهم حفظها من غير احتياج إلى غيره من البشر المورث لتعبه ونقص فيه لاحتياجه للغير . وأمّا جواز نزوله دفعة بخط سماوي وتعليم جبريل عليه الصلاة والسّلام تدريجا فلا ضير فيه إلا أنه إذا لزم تلقنه منه تدريجا لم يكن في نزوله كذلك فائدة مع أنّ في خلافه فوائد جمة والتعني تفعل من العناء وهو التعب والمشقة . قوله : ( ولعله لم يستتب له ) أي يتم ويستقيم قال البحتري :قليل احتجاب الوجه يغدو بمسمع * من الأمر حتى يستتب وينظر . . .أي ربما لا يتم حفظه له لو نزل جملة كما أشار إلى وجهه بقوله فإنّ التلقف أي التلقي له وقوله : ولأنه إذ أنزل منجما الخ يعني أنه صلّى اللّه عليه وسلّم تحداهم بكل جزء وهذا أقوى من التحدّي بالجملة فإذا عجزوا عن ذلك فهم أعجز عن غيره فطلبه يدل على شدّة حيرتهم ودهشتهم . وقوله : تثبت به أي في نزوله حالا فحالا ترويح لنفسه وتثبيت لفؤاده كما إن كتب المحبوب إذا تواصلت لمحبه جدّدت له محبة ونشاطا . قوله : ( ومنها ) أي من فوائد تفريقه معرفة الناسخ المتأخر نزوله من المنسوخ المتقدّم المخالف لحكمه كما في آية القتال وتحققهما فيه من البواعث المتقدّمة ومعرفة ذلك من الفوائد المتأخرة . وقوله : فإنه يعين على البلاغة أي على معرفة البلاغة لأنه بالنظر إلى الحال يتنبه السامع لما يطابقها ويوافقها وفيه إشارة إلى ما مر . قوله : ( وكذلك صفة مصدر محذوف ) هو وعامله أي أنزلنا إنزالا كذلك الإنزال الذي عرفتموه وأنكرتموه . وهو المفرق الذي دل عليه ما ذكر فإنّ معناه لم أنزل مفرقا ولم ينزل جملة فهو من كلام اللّه . وقوله : من تمام كلام الكفرة فهو من جملة مقول القول وبه يتم والإشارة إلى إنزال الكتب المتقدّمة دفعة واحدة كما مر تحقيقه وهو حال من القرآن لا صفة مصدر فعل مقدّر كما مر ولا مانع من جعله صفة لجملة ولا من كونه صفة مصدر هذا الفعل المذكور أيضا وقوله