بحال قوم استعصوا سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثرا والهباء غبار يرى في شعاع الشمس يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار منثورا صفته شبه به عملهم المحبط في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرّقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى :
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ *
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
مكانا يستقرّ فيه في أكثر الأوقات للتجالس والتحادث
وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
مكانا يؤوي إليه للاسترواح بالأزواج والتمتع بهنّ تجوّزا له من مكان القيلولة على التشبيه أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبا إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الصور وغيره من التحاسين
شرح
اعتباره ) يعني الإيمان . وقوله : وهو تشبيه الخ قد عرفت معناه فمن قال إنّ الواو فيه بمعنى أو فقد أخطأ . واستعصوا بما خالفوه . وقوله : فقدم إلى أشيائهم جمع شيء كما صحح في نسخ الكشاف وفي نسخة أسبابهم بمهملة وموحدتين والصحيح الأول لأنه استعمال عامي . قوله :
( ومنثورا صفته الخ ) يشير إلى أنه تتميم إذ لم يكتف بجعله في تفرّقه كالهباء حتى جعله منثورا كقول الخنساء :وإن صخر التأتمّ الهداة به * كأنه علم في رأسه نار . . .فجعلها جامعة لحقارة الهباء وتناثره وقد علمت أنّ هذا التشبيه في ضمن التمثيل فلا يرد أنه خلط لأنه حينئذ تشبيه لا استعارة كما توهم . وقوله : أو تفرقه معطوف على قوله انتثاره .
وقوله : نحو أغراضهم تشبيه لتفرّقه بتفرّق أغراضهم في أعمالهم السيئة وعطفه بأو وإن كان التفرّق والانتشار متقاربين لتباين ثمرته فإنها على الأوّل إنه لا يمكن جمعه والانتفاع به وعلى هذا هو جزاء له على حاله والجزاء من جنس العمل . فما قيل إنّ معناه جعلنا عملهم متفرّقا نحو أغراضهم من حيث الخلق وهو لا يناسب التمثيل غير متجه . قوله : ( أو مفعول ثالث ) يعني هو مفعول بعد مفعول كالخبر بعد الخبر لأنّ جعل لا يتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل كما أشار إليه بقوله من حيث إنه الخ وهذا جواب عما اعترض به على الزمخشري بجعله كحلو حامض وهو ضعيف كما تقدّم ولذا آخره . قوله : ( مكانا يستقرّ فيه الخ ) يعني المراد بالمستقر محل التحادث وبالمقيل محل الاستراحة ولذا جمع بينهما وإلا فالجنة كلها مستقر لهم والاسترواح استفعال من الراحة . وقوله : والتمتع الخ تفسير له وقوله تجوّزا له أي نقل له من معناه الحقيقي وهو مكان القيلولة إلى مكان التمتع بالأزواج لأنه يشبهه في كون كل منهما محل خلوة واستراحة فهو استعارة . وقال الأزهري المقيل الاستراحة في نصف النهار وإن لم يكن معه نوم وهو على المصدرية وليس فيه ما يقتضي عدم التجوّز هنا كما قيل . قوله : ( أو لأنه لا يخلو الخ ) عطف على قوله على التشبيه فهو مجاز مرسل لاستعمال المقيد في المطلق ولا تغليب فيه بالمعنى المتعارف كما قيل وقوله إذ لا نوم في الجنة تعليل للتجوّز وعدم إرادة الحقيقة . قوله : ( وفي أحسن رمز الخ ) يعني أنه كناية عن أنّ لهم فيه ما يتزين به مما ذكر لأنّ حسن المنزل إن لم يكن