تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقري الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره وهو تشبيه حالهم وأعمالهم
شرح
والنون ولو قيل إنه للتعميم ودفع ما يتوهم من العهد في الموصول أي كل عمل عملوه غير معتد به لكان وجها . قوله : ( وعمدنا إلى ما عملوا الخ ) هذا التفسير منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما كما في شرح الكشاف فلهذا ابتدأ به أي كما هو دأبه في تقديم المأثور والعمد القصد ولما كان بين كلاميه كما في الكشاف تناف فإنّ ظاهره أنّ القدوم مجاز عن القصد فهو مجاز مرسل وقوله شبهت حالهم الخ يقتضي أنه استعارة تمثيلية فلا تجوّز في شيء من المفردات كما تقرّر في المعاني اعترض عليه بعضهم بأنه خلط . وشراح الكشاف تنبهوا له ونبهوا على أنّ المراد أنه استعارة تمثيلية ولا تجوز في شيء من مفرداته باعتبارها وهو لا ينافي أن يكون في بعض مفرداتها مجاز سابق عليها كالقدوم هنا فإنه استعمل للقصد الموصل إلى المقصد والإرادة وهو المراد هنا لأنّ الذي لا بدّ منه هو قصد السلطان إلى من صدر منه ذلك أمّا القدوم فلا حاجة إليه بل قد يكون وقد لا يكون كما قيل وفيه ما فيه ثم إنّ مجموع قصد مصنوعاتهم ليجعل هباء منثورا مستعار لإبطال أعمالهم وإفنائها لكونها لم تصادف محلها ولم تقع موقعها فما ذكره المصنف بيان لحاصل المعنى المراد منه فلا إشكال فيه على ما قالوا وكلامهم لا يخلو من الخلل والاضطراب فإنّ كلام المصنف والكشاف لا يناسب ما ذكروه لتصريحهما بتشبيه العمل المحبط بالهباء المنثور وقد ذكر الطرفان ولو كان تمثيلا لم يجز التشبيه والتصرف في شيء من أجزائه وما قيل إنه تشبيه ضمني لازم ذكر لتكثير الفائدة وبيان مناسبة المفردات لا يجدي نفعا وكذا ما ذكره في المفتاح من جعله استعارة تبعية تصريحية طرفاها والجامع بينهما عقلية فاستعير من قدوم المسافر بعد مدّة إلى الأخذ في الجزاء بعد الإمهال وأورد عليه أنه إذا كان قدمنا بمعنى أخذنا في جزاء أعمالهم بعد الإمهال فلا معنى لتعديته بإلى وهو غير وارد لأنّ المجاز قد يعتبر أصله في تعديته كنطقت الحال بكذا إذ لم يقل على كذا وهو كثير بل الوارد عليه أنه لا يكفي في بيان معنى النظم وما بعده لا يلائمه وما قيل : من أنه إذا أريد بقدمنا قصدنا فلا حاجة إلى التمثيل لصحة المعنى بدونه واقتضاء المقام ممنوع ثم إنّ قدوم السلطان القاهر بنفسه يكون لاشتعال غضبه فاعتباره أنسب بالحال فهو مع قلة مفاده فيه اختلال على اختلال وإذ سردنا لك ما في هذا المقام من القيل والقال فاعلم إنّ هنا استعارة تمثيلية في قوله : قدمنا الخ واللفظ المستعار وقع فيه استعمال قدم بمعنى عمد وقصد لاشتهاره فيه كما أشار إليه في الأساس والقول بأنه لا حاجة إلى التمثيل بعده من قلة التدبر فإنه لا بدّ منه . وأمّا تشبيه عملهم في تفرّقه بالهباء ففي اللفظ المنقول فلا ينافي ما ذكر كما إذا قلت أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى كالمهر في طوله ولاشتهار قدم المدى بإلى في هذا المعنى وعدم مناسبته للغارة إذ لا يقال قدم الجيس على العدوّ بل يقال أغار ونحوه لم يتفق على حقيقته وبهذا علمت ما في الكشاف وترجيحه على ما ذهب إليه السكاكي وما في كلامهم برمّته . قوله : ( لفقد ما هو شرط