لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
أي في شأنها حتى أرادوا لها ما ينفق للإفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق اللّه في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك
وَعَتَوْا
وتجاوزوا الحدّ في الظلم
عُتُوًّا كَبِيراً
بالغا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدّت دونه مطامح النفوس القدسية واللام جواب قسم محذوف وفي الاستئناف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوّهم كقوله :
شرح
ملك مستقل بدله وتكراره مع قوله سابقا لولا أنزل إليه ملك الخ . لا يضرّ مع الأوّل في طلب ملك ينذر بما أنذر به وهذا في طلب ملك يقول إنه صادق في مدّعاه أو يأمرهم بالتوحيد والإسلام وأمّا كون العادة الإلهية على إرسال الرسل من البشر فهم لا يسلمونه ولو علم فمرادهم التعجيز والعناد . قوله : ( أي في شأنها الخ ) يعني أنهم لتكبرهم استكبروا أنفسهم أي عدوّها كبيرة لشأن وخصوصية لها فنزل فيه الفعل لمتعدّي منزلة اللازم كما في قوله : تجرح في عراقيبها نصلي وأصله من استكبره إذا عدّه كبيرا عظيما وفي الكشاف معناه أنهم أصروا الاستكبار في أنفسهم كقوله : إن في صدورهم الأكبر وهو وجه آخر أظهر مما ذكره المصنف وعدل عنه لأنّ ما ذكره أبلغ منه والمراد بالإفراد عظماؤهم وأكمل أوقاتها هو الوحي بالملائكة لا بإلهام ومنام ونحوه أو المراد به رؤية الملك جهارا معاينا على صورته لأنه هو الذي اقترحوه وضمير أوقاتها للأفراد وأنثه لظاهر الجمع ولو قال أوقاتهم . كان أظهر ويمكن أن يقال الضمير للنبوّة المفهوم منه وما هو أعظم رؤية اللّه عيانا وهو بالواو وفي نسخة بأو جريا على ظاهر النظم وعلى الأولى يصح كون ما استفهامية أي وأيّ شيء أعظم من ذلك فيكون ما يتفق شاملا لهما معا فلا يرد عليه أنه يفوت بيان فساد طلبهم الرؤية وكونه أعظم مع أنه بعيد .
قوله : ( بالغا الخ ) تفسير لقوله كبيرا وعتوّا مصدر جاء هنا على الأصل وأمّا عتيا في سورة مريم فللفاصلة كما مرّ تحقيقه وما عدت الخ أي منعت وهو ما مرّ ويحتمل أن يكون استكبروا وعتو ألفا ونشرا لقوله : لولا أنزل الخ . وقوله : واللام أي في قوله لقد والقسم لتأكيد ما ذكر وتحقيقه ووجه حسن الاستئناف هنا أنه لما ذكر قبله أمر عظيم يقتضي إنكاره والتعجب منه وعدل عن مقتضى الظاهر فيه حتى كأنه لم يتمالك بعده إن ذكر شناعة فعلهم مؤكدة بالقسم فأفاد التعجب لوقوعه في موقع يقع في مثله التعجب وهذا أمر ذوقي والإشعار بالتعجب من السياق كما بيناه وما ذكره من الشعر نظيره وفي الكشاف وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ تعجب ألا ترى أنّ المعنى ما أشدّ استكبارهم وما أكبر عتوّهم وما أغلى نابا بواؤها كليب . وقال الشارح : ونحوه قوله : كبر مقتا ( وفيه بحث ) لأنّ ما ذكر في النظم مسلم لأنه كقوله : لمن جنى جناية فعلت كذا وكذا استعظاما وتعجبا منه ومثله كثير في سائر الألسنة لكن البيت وما مثل به الشارح ليس من هذا القبيل لأنّ الثلاثي المحوّل إلى فعل لفظا أو تقديرا موضوع للتعجب كما صرّح به النحاة وقد مرّ تفصيله في أوّل الكهف وهذا مما يتعجب