تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
لِبَعْضٍ فِتْنَةً
ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم وهو تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما قالوه بعد نقضه وفيه دليل على القضاء والقدر
أَ تَصْبِرُونَ
علة للجعل والمعنى وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا *
أوجب عليهم الصبر على ما افتتنوا به
وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً
بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلي به وغيره
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ
لا يأملون
لِقاءَنا
بالخير لكفرهم بالبعث أو لا يخافون لقاءنا بالشر على
شرح
كما في المحتسب وقوله : حوائجهم الخ عن الإسناد المجازي هو إشارة إلى الفاعل المحذوف . قوله : ( ابتلاء ) أي اختبارا لمن يصبر وغيره وهو معنى الفتنة كما مرّ وقوله ومناصبتهم الخ المناصبة لهم العداوة من قولهم نصب له إذا عاداه وأصله من نصبت الشبكة للصيد وإيذائهم بمعنى أذاهم كما ذكره الراغب وغيره . وقوله : في القاموس لا يقال إيذاء خطأ . قوله : ( وفيه دليل على القضاء والقدر ) قال ابن السيد في مثلثاته قدر اللّه وقدره وقدره قضاؤه ومنهم من يفرق بينهما فيجعل القدر تقديره الأمور قبل أن تقع والقضاء إنفاذ ذلك القدر بخروجه من العدم وهو الصحيح لما في الحديث من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مر بحائط مائل فأسرع مشيه حتى جاوزه فقيل له أتفر من قضاء اللّه فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أفر من قضائه إلى قدره « 1 » ففرق بينهما انته . وقيل القضاء الإرادة الأزلية المقتضية لوقوع المراد على وفقها والقدر تعلق تلك الإرادة للإيجاد أو نفس الإيجاد وقيل المبرم قضاء وغيره قدر ووجه الدليل أنه جعل أفعال العباد كعداوة الكفار وإيذائهم وما مرّ بجعل اللّه وإرادته والمعتزلة ينكرون ذلك فالآية حجة عليهم واعترض عليه بأنه لا دلالة فيها لأنّ قوله : أتصبرون علة للجعل لا للتقدير ولا وجه له لأنّ الجعل هو الإيجاد والفتنة بمعنى الابتلاء وإن لم تكن من أفعال العباد مفضية ومستلزمة لما هو منها كالعداوة والإيذاء وارتباط هذا بما قبله لأنّ جعلهم آكلين ماشين لا ملائكة لابتلائهم فتأمّل . قوله : ( علة للجعل الخ ) أي جعلنا ذلك لنبتلي الصابر من غيره ولذا قيل إنّ معادله محذوف أي أم لا تصبرون وجملة الاستفهام معموله للعلم المقدّر المعلق عنها أي لنعلم أيكم يصبر أي ليظهر لكم ما في علمنا وتنظيره بالآية المذكورة في دلالة ما هو بمعنى الفتنة وهو الابتلاء على إرادة العلم كما مرّ إلا أنه مضمن ثمة ومقدّر هنا فالتشبيه ليس من كل وجه . قوله : ( أوجب عليهم الصبر ) أي أتصبرون المراد منه الإيجاب والأمر بالصبر أي اصبروا فإني ابتليت بعضكم ببعض الغني بالفقير والشريف بالوضيع لذلك وفي نسخة أو حث على الصبر بالحاء المهملة والثاء المثلثة فهو معطوف على قوله : علة والاستفهام للترغيب والتحريض . وقوله : افتتنوا بصيغة المجهول . قوله : ( لا يأملون ) من أمل بالتخفيف بمعنى أمّل بالتشديد فإنه ورد عنهم كقوله :المرء يأمل أن يعي * ش وطول عيشه قد يضرّه . . .
هامش
( 1 ) ورد شيء من هذا عن عمر في خبر مجيئه إلى الشام في أثناء طاعون عمواس .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 116 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي