لا نستأصلهم لأنّ منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ
بسؤالهم
مُبْصِرَةً
بينة ذات أبصار أو بصائر أو جاعلتهم ذوي بصائر ، وقرىء بالفتح
فَظَلَمُوا بِها
فكفروا بها وظلموا أنفسهم بسبب عقرها
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ
أي بالآيات المقترحة
إِلَّا تَخْوِيفاً
من نزول العذاب المستأصل فإن
شرح
محال فهو ليس حقيقة في معناه بل مستعار للصرف عن إرسال الآيات فإنه إذا صرفه عن الإرسال فكأنه منعه عنه ، والمعنى وما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة إلا تكذيب الأوّلين فإنه مؤدّ إلى تكذيب الآخرين المقترحين اتباعا لهم ، وتكذيبهم يتضمن تعجيل العذاب بحكم عادة اللّه تعالى والحكمة تقتضي تأخيره لبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم فتكون الحكمة صارفة عن إرسالها وحاصله أنا تركنا إرسال الآيات فإنه لو أريد ظاهره والمنع مسند إلى تكذيب الأوّلين يلزم أن يكون ترك إرسال الآيات مسندا إلى التكذيب لكن التارك هو اللّه تعالى ( أقول ) هذا تحقيق لكلام الكشاف بلا مزيد عليه وهو بعينه كلام المصنف رحمه اللّه ، وقد صرّح به في الكشاف بعده حيث قال : والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه ، وتقريره أنه مبنيّ على مقدّمة وهي الفرق بين المنع والصرف والترك بأنّ المنع يقتضي القسر ويكون من فاعل آخر هو المانع ، وأمّا عدّ الأمور المعنوية مانعا فاصطلاح أو عرف طار على أصل اللغة ، وكون فاعل آخر قاسر اللّه محال منزه عنه والصرف يكون في المعاني ولغير القاسر لإشعاره بوصوله إليه وتمكنه المنع هنا مجازا عن الصرف أو الترك لكن الثاني لا يتأتى هنا لأنه لو كان منع مجازا عن الترك والتارك هو اللّه لكان ضمير اللّه فاعلا وإن كذب مفعولا عكس ما في النظم والقلب لا يليق هنا إلا أنّ ما ادّعاه من لزوم اتحاد الفاعل في المعنى الحقيقي والمستعار له مما لم يقم عليه دليل بل الظاهر خلافه ولذا صرّح الطيبي بأنه مستعار للترك ولم يلتفت لهذا ، وما يدل عليه ما ذكره المدقق في الكشف في أوّل سورة البقرة في قولهم شجاع يفترس الأقران بعد ما قرّر أن فيه استعارة مكنية وتخييلية أنه يجوز أيضا جعل الافتراس استعارة تصريحية بعد أن تعرف أنّ المقصود هو التنبيه على أنه أسد كي يجيء الافتراس وسائر ما للأسد ا ه ، ولا شك أنه بمعنى يقتل وفاعله الشجاع والمشبه به الافتراس وفاعله الأسد فتأمّل ، والمعترض لم يصب لعدم وقوفه على مرادهم والمجيب أخطأ خطأ على خطا وزاد في الطنبور نغمة لفرقه بين الاستعارة والمجاز المرسل بسلامة الأمير فرحم اللّه امرأ نطق فغنم أو سكت فسلم ، وقوله : تكذيب إشارة إلى أنّ أن مصدرية ، وقوله : في الطبع أي في كونهم مطبوعا على قلوبهم ، وقوله : مضت به سنتنا يعني أنه عادة اللّه في مثله . قوله : ( لأنّ منهم من يؤمن الخ ) أو لمنع الخلو في البعض لا الجمع ، لأنّ منهم من آمن بعد ذلك وولد من آمن كأبي سفيان رضي اللّه عنه والمجموع تعليل واحد ، ومن أفادت أنّ منهم من ليس كذلك لكنه ترك استئصاله لكونه لم يقدّر له ذلك ، فلا يرد عليه أنّ هذا التعليل غير مانع من استئصال المعاندين خاصة ، على أنه غفلة عن معنى الاستئصال .
قوله : ( ذات أبصار أو بصائر ) لما كان المقام يقتضي أنّ الغير يراها ظاهرة بينة فكان الظاهر