وأن يكون العراة الجوّع أصحابه
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
بالفضائل النفسانية والتبرىء عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والاتباع حتى داود عليه السّلام فإنّ شرفه بما أوحي إليه من الكتاب لا بما أوتيه من الملك ، قيل : هو إشارة إلى تفضيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله :
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
تنبيه على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأمّته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون وتنكيره ههنا وتعرفه في قوله : ولقد كتبنا في الزبور لأنه في الأصل فعول للمفعول
شرح
والعراة جمع عار واستبعادهم ذلك لجهلهم وظنهم أنّ النبوّة تتوقف على قوّة صاحبها بالمال ونحوه وكون اتباعه أغنياء أشدّ ، ولذا خص اللّه داود عليه الصلاة والسّلام بالذكر هنا إشارة إلى أنه لم يفضل بالملك وإنما فضل بالوحي كما سيذكره المصنف رحمه اللّه . قوله : ( بالفضائل النفسانية ) ليس هذا مبنيا على مذهب الحكماء كما مرّ تحقيقه في سورة الأنعام ، والتبرئ مهموز وقد تبدل همزته ياء لكسر ما قبلها كالتوضي وليس كثرة زوجاته صلّى اللّه عليه وسلّم من العلائق الجسمانية كما يتوهمه من لا يتأمّل قوله « حبب إليّ من دنياكم النساء » « 1 » وقد ذكر علماء الحديث أنه من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم جواز الزيادة على الأربع دون أمّته وكان ذلك جائزا في الملل السالفة كما ذكر في قصة سليمان عليه الصلاة والسّلام وحكمته أن يقفن على ما يتعلق بالنساء من الشرع كأمور الحيض ونحوها مما يتحاشى الرجال عن ذكره ، وقد قالوا إنّ عائشة رضي اللّه عنها أخذ عنها ربع العلم ، وليس في كلامه إشارة إلى أنّ المراد ببعض النبيين داود عليه الصلاة والسّلام كما توهم ، وقوله : حتى داود عليه الصلاة والسّلام توطئة لما بعده وإشارة إلى وجه تخصيصه كما مرّ . قوله : ( قيل هو ) أي ما ذكر هنا ومرّضه لبعده فإنه على ما قيل تلميح إلى ما وقع في الزبور من وصفه بما ذكر فيه حتى شبه بقصة المنصور وقد وعد الهذليّ بعدة فنسيها فلما حجا وأتيا المدينة قال له يوما وهو يسايره : يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص :يا بيت عاتكة الذي أتغزلفتفطن لمراده وعلم أنه يشير إلى قوله في هذه القصيدة :وأراك تفعل ما تقول وبعضهم * مذق اللسان يقول ما لا يفعلفأنجز عدته ، وقوله : تنبيه أي قوله وآتينا الخ تنبيه على وجه تفضيله عليه الصلاة والسّلام . قوله : ( وتنكيره هاهنا الخ ) المعنى أنه في الأصل وصف أو مصدر ولما كان فعول بالفتح في المصادر نادرا والمعروف فيه الضم نظره وأيده بقراءة الضم ، فمن قال إنه تأييد لكونه وصفا أو مصدرا لا علما لم يصب فيبعد جعله علما دخلت عليه أل للمح أصله الوصفي ،
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي 7 / 61 وأحمد 3 / 128 و 199 و 285 عن أنس بن مالك بإسناد حسن ولفظه : « حبب إليّ الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة » . وأما لفظ ثلاث لم يبرد منه شيء في كتب الحديث .