تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً
يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم
مَسْتُوراً
ذا ستر كقوله تعالى :
وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
وقولهم : سيل مفعم أو مستورا عن الحسّ أو بحجاب آخر لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون نفي عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعد ما نفي عنهم التفقه للدلالات المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريرا له وبيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة كما صرّح به قوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
تكنها وتحول دونها عن إدراك
شرح
إلى دفع ما قيل جعل الخطاب للمشركين لا يناسب قوله أنه كان حليما غفورا فالظاهر أنه للمؤمنين وأن قوله لا تفقهون إشارة إلى ما عليه الأكثر من الغفلة وعدم العمل بمقتضاه ، ورد بأنه لا يلتئم مع ما قبله من الإنكار على المشركين لما أسندوه إليه فلما نزهه عنه قال هذ التنزيه مما شهد به حتى الجماد ، وأما التذييل بقوله أنه كان حليما الخ ، فوجهه كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه أنه لا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وقصورهم في النظر ولو تابوا لغفر لهم ما صدر منهم فكأنه قيل ما أحلم اللّه وأكرمه وهذا في غاية البلاغة والانتظام . قوله : ( يحجبهم عن فهم ما تقرؤه ) قيل عليه إنه وإن روي عن قتادة واختاره الزجاج وغيره لا يلائم قوله : بينك وبين الذين الخ إلا بتقدير حذف مضافين أي جعلنا بين فهم قراءتك وأيضا هو على هذا مكرر مع ما بعده من غير فائدة جديدة فالأولى أن يحمل على ما روي من أنها نزلت في أبي سفيان وأبي جهل والنضر وأمّ جميل إذ كانوا يؤذونه إذا قرأه فحجب اللّه أبصارهم عنه فكانوا يمرّون ولا يرونه ، ومن الناس من يردّ عليه بأنه سهل من غير بيان لوجه السهولة وكان السكوت عنه خيرا له بل الظاهر أنه لا يقدّر فيه وإنما يلزم لو كان حقيقة وهذا تمثيل لهم في عدم استماع الحق بمن كان وراء جدار وحجب كما أن الأكنة كذلك وأما الإعادة من غير إفادة التي ادّعاها فقد كفانا المصنف رحمه اللّه شرها فإن قوله : تسبح له السماوات الخ نفي لفهمهم للأدلة الآفاقية والنفسية ثم عقبها بما هو أبلغ وهو أنهم لا يفهمون فصيح المقال فضلا عن دلالة الحال ثم صرح بما اقتضاه من كونهم مطبوعين على الضلال وأيّ فائدة بعد هذا أجل لمن كان ذا بال وقد تتبعنا كلام الكشاف والمصنف فرأيناهما إذا اقتصرا على تفسير أو قدماه فهو مأثور عن السلف ما لم يدع داع إلى سواه . قوله : ( ذا ستر كقوله تعالى :وَعْدُهُ مَأْتِيًّالما كان الحجاب ساترا لا مستورا ذهبوا في تأويله إلى وجوه ، منها ما ذكره من أنه للنسب كلابن وتأمر ، وهو وأن اشتهر في فاعل فقد جاء في مفعول أيضا كما نبهوا عليه وله نظائر كرجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة ، ولا يقال رطبته وهلته وغنجته وعليه يخرّج كل ما جاء على مفعول من اللازم فاحفظه ، ومنه وعدا مأتيا أي ذا إتيان لأنه آت وكذا سيل مفعم بالفتح فإنه مفعم بالكسر من أفعمت الإناء إذا ملأته وأهل المعاني مثلوا به للإسناد المجازي وهو جائز فيه كما يجوز في النظم هنا كما في شروح الكشاف ولكل وجهة لكن صاحب الكشاف رجح النسبة على التجوز في الإسناد في هذا المثال بأنه لو قيل أفعم السيل الوادي كان التجوّز بحاله وفيه نظر لكن المثال لا يتحمل القيل والقال .