اعتراض لتأكيد الإغضاء بالاستعاذة باللّه من الشيطان أن يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو بقوله إنهم لكاذبون
قالَ
تحسرا على ما فرط فيه من الإيمان والطاعة لما اطلع على لأمر
رَبِّ ارْجِعُونِ
ردّوني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب وقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفا وأطرقا
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
في الإيمان الذي تركته أي لعلي آتي بالإيمان وأعمل فيه وقيل في المال أو في الدنيا وعنه عليه الصلاة والسّلام قال إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : أنرجعك إلى الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدوما إلى
شرح
قوله : ( متعلق بيصفون ) أي الثانية كما في الكشاف أو الأولى كما جوّزه بعضهم وهي ابتدائية كما مرّ والمعنى لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض أو بقوله إنهم لكاذبون أو بمقدّر يدلّ عليه ما قبله أي فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين وتحضرهم حتى إذا الخ وهذا أقرب عندي وقوله الإغضاء أي الصفح في قوله ادفع بالتي هي أحسن وأصله غض الجفن فجعله كناية عنه وهي مشهورة وما في نسخة من الاعتناء تحريف للنساخ وبالاستعاذة متعلق بالتأكيد وقوله أو بقوله معطوف على قوله بيصفون وما بينهما اعتراض أيضا تحقيقا لكذبهم أيضا . قوله : ( تحسرا على ما فرط فيه ) الضمير المجرور لما وقوله على الأمر أي في نفس الأمر أو حقيقة الأمر أو الأمر الحق وقوله والواو لتعظيم المخاطب وهو اللّه عز وجلّ وقد عرفت أنه يكون في ضمير المتكلم والمخاطب بل والغائب والاسم الظاهر ولا عبرة بمن أنكره اغترارا بكلام الرضي ومن فرّ منه فجعله خطابا للملائكة بعد الاستغاثة باللّه فقد تعسف وأقرب منه تقدير المضاف أي ملائكة ربي وأمّا اعتراض ابن مالك بأنه لا يعرف أحدا يقول ربّ ارحمون ونحوه لما فيه من إيهام التعدّد فمدفوع بأنه لا يلزم من عدم صدوره عنا كذلك أن لا يطلقه اللّه تعالى على نفسه كما في ضمير المتكلم فتأمّل . قوله : ( وقيل لتكرير قوله ارجعني الخ ) هذا منقول عن المازني في قفا نبك وأطرقا ونحوه فأصله قف قف على التأكيد وبه فسر قوله تعالى :أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَلكنه مشكل جدّا لأنه إذا كان أصل قفا قف قف مثلا لم يكن ضمير التثنية بل تركيبه الذي منه حقيقة فإذا كان مجازا فمن أيّ أنواعه وكيف دلالته على المراد وما علاقته وإلا فهو مما لا وجه له . ومن غريبه أن ضميره كان مفردا واجب الاستتار فصار غير مفرد واجب الإظهار ولم تزل هذه الشبهة قديما في خاطري والذي خطر لي أنّ لنا استعارة أخرى غير ما ذكر في المعاني ولكونها لا علاقة لها بالمعنى لم تذكر وهي استعارة لفظ مكان لفظ آخر لنكتة بقطع النظر عن معناه وهو كثير في الضمائر كاستعمال الضمير المجرور الظاهر مكان المرفوع المستتر في كفي به حتى لزم انتقاله عن صفة إلى صفة أخرى ومن لفظ إلى آخر وما نحن فيه من هذا القبيل فإنه غير الضميران المستتران إلى ضمير مثنى ظاهر فلزم الاكتفاء بأحد لفظي الفعل وجعل دلالة الضمير المثنى على تكرير الفعل قائما مقامه في التأكيد من غير تجوّز فيه ولابن جني في الخصائص كلام يدلّ على ما ذكرناه فتأمّل . قوله : ( في الإيمان الذي تركته ) جعل الإيمان ظرفا للعمل الصالح لعدم انفكاكه عنه والترجي إما لهما لعلمه