يرغبون في الطاعات أشدّ الرغبة فيبادرونها أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليه كقوله تعالى
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا
فيكون إثباتا لهم ما نفي عن أضدادهم
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
لأجلها فاعلون السبق أو سابقون الناس إلى الطاعة أو الثواب أو الجنة أو سابقونها أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا كقوله تعالى
هُمْ لَها عامِلُونَ
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
قدر طاقتها يريد به التحريض على ما وصف
شرح
وليس هذا ناظرا إلى قوله أن لا يقع على الوجه اللائق فقط كما توهم . قوله : ( يرغبون في الطاعات الخ ) إشارة إلى أنه ضمن معنى الرغبة أو هو كناية عنها فلذا عدى بفي دون إلى والمبادرة العجلة وهي تتعدّى بإلى وبنفسها كما في القاموس ولذا استعمله المصنف بهما والنيل بمعنى الوصول أو الأخذ وبالمبادرة متعلق به أو بيسارعون ولو عمم لهما صح وقوله فيكون إثباتا لهم الخ ففيه مقابلة وطباق للآية المتقدّمة ولذا قال في الكشاف إنه أحسن مما قبله وجملة أولئك خبر أنّ .
قوله : ( لأجلها فاعلون السبق ) بمعنى أن سبق المتعدّي نزل هنا منزلة اللازم واللام تعليلية لا مقوّية وقوله لأجلها أي الخيرات الدنيوية لأنها هي المتصفة بأنهم فاعلون لها فكونه ناظرا إليهما كما قيل خلاف الظاهر فتأمّل وفيه إشارة إلى ترجيح الثاني كما مرّ . قوله : ( أو سابقون الناس إلى الطاعة ) فهو متعدّ لمفعولين أحدهما مفعول وهو ما تعدّى إليه بنفسه والثاني بواسطة لأنه يتعدّى بإلى واللام وقوله أو الثواب بمعناه المعروف وهو أعمّ من الجنة لا الدنيوي . قيل المراد بالخيرات المعنى الأوّل وهو الطاعات والمفعول غاية متأخرة وقد يتوهم أنّ إلى الطاعة وما بعده تفسير ولذا قيل الأظهر المثوبة لتأنيثه فتأمّله وقوله أو الجنة فسبقهم في القيامة وليس وجها آخر كما توهم . قوله :
( أو سابقونها ) يعني أنه متعدّ للضمير بنفسه واللام مزيدة حسن زيادتها كون العامل فرعيا وتقديم المعمول المضمر واعترض عليه في البحر بأنه غير صحيح لأنّ سبق الشيء الشيء يدلّ على تقدّم السابق على المسبوق فكيف يقال هم يسبقون الخيرات وهذا معنى قول بعض شراح الكشاف فيه أنّ الخيرات على هذا مسبوق إليها لا مسبوقة وفي الدر المصون كلام في ردّه لا طائل تحته وهذا كله غفلة عن قوله ينالونها فإنه أراد به أنّ المراد به حينئذ لازم معناه وهو النيل فلا يتوجه عليه شيء لكنه لا يخلو عن تكلف لما فيه من دعوى التجوّز والزيادة من غير ضرورة وقوله هم لها عاملون أي إياها عاملون كما فيما نحن فيه وفي الكشاف ويجوز أن يكون لها سابقون خبرا بعد خبر ومعنى وهم لها كمعنى قوله :أنت لها أحمد من بين البشريقال لمن يطلب منه أمر لا يرجى من غيره أنت لها أي أنت معدّ لفعل مثلها من الأمور العظيمة وهي من بليغ كلامهم وهو معنى الآية على إعرابه خبرا بعد خبر كقوله :مشكلات أعضلت ودهت * يا رسول اللّه أنت لها . . .قوله : ( قدر طاقتها ) تفسير للوسع والتحريض لأنّ الأعمال الصالحة إذا كانت مقدورة