أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه والهجر بالضم الفحش ويؤيد الثاني قراءة نافع تهجرون من أهجر وقرىء تهجرون على المبالغة
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
من الرسول والكتاب أو من الأمن من عذاب اللّه تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون
شرح
أنّ ما ذكره المصنف بعينيه في الصحاح فليحرّر . قوله : ( أي تعرضون عن القرآن ) هذا على معنى الهجر الأوّل وما بعده على الثاني والفحش التكلم بالقبيح أو نفس الكلام القبيح وقوله ويؤيد الثاني وهو الهذيان تأييده له لما عرفت أنّ فعله مزيد دون الأوّل وسيأتي تحريره وقراءة التشديد تحتمل المعاني الثلاثة وقوله والهجر بالضم لم يعطفه بأو وإن كان هو الظاهر كما قيل لقربه من الهذيان وقد ورد بمعناه في اللغة كما في لسان العرب وبينهما مغايرة على الأوّل هذا على تقدير جرّه عطفا على الهجر بالفتح وأمّا على كونه مرفوعا مبتدأ خبره الفحش وذكر إشارة إلى فائدة التقييد بالفتح يعني أنّ الفعل من الهجر المفتوح بمعنييه لا من المضموم الذي هو اسم لقبيح الكلام ولا مصدر فلا يرد عليه شيء لكن هذا إنما يتمشى إذا كان لم يسمع منه هجر بل أهجر كما مرّ وهو الظاهر من كلام المصنف كذا قيل ويرد عليه ما في القاموس حيث قال هجره هجرا بالفتح وهجرانا بالكسر صرمه والشيء تركه كأهجره انته وقوله في المصباح هجرته هجرا من باب قتل قطعته وهجر المريض في كلامه هذي والهجر بالضم اسم ومصدر بمعنى الفحش من هجر كقتل وفيه لغة أخرى أهجر بالألف انته فلا وجه لما ذكر وقوله ويؤيد الثاني أي كونه بمعنى الهذيان لا كونه بمعنى الفحش كما قيل لأنه ثالث إلا أن يعدّا وجها واحدا ووجه التأييد غير تام إلا أن ينبني على الأكثر الأفصح وما ذكره هذا القائل يقتضي أنّ الفعل المذكور في النظم لا يصح أن يكون من الهجر بالضم مع أنه فسر به أيضا في كتب اللغة وغيرها فتأمّل . قوله : ( أفلم يدبّروا القول ) الاستفهام إنكاريّ لعدم تدبرهم ويجوز أن يكون تقريريا انضمّ لمن تدبر وأورد عليه أن دلالة الإعجاز على كونه كلام اللّه ظاهرة وأمّا دلالة الوضوح فغير واضحة فكم للعرب من كلام واضح ويدفع بأنه على تقدير تسليم دخله في الدلالة فإنه ذكر لتسليم دلالة الإعجاز فإنّ العجز بما يتوهم لكونه غير معهود لهم صعوبة فهمه لا سيما إذا نصب وضوح على أنه مفعول معه والمراد بالوضوح وضوح خاص وهو كونه على نهج من الفصاحة بحيث يفهمه كل من خوطب به من العرب لعدم تعقيده وكونه على أحسن الوجوه من أوّله إلى آخره على نسق نير سالكا طريقا سهلا محميا عن سلوك أحد فيه وهو الذي يقول له الأدباء السهل الممتنع فلا حاجة إلى أن يقال المراد وضوح دلالته على كونه ليس من كلام البشر فإنه مصادرة فتأمّل وقوله ليعلموا أي فيصدّقوا به وبمن جاء به . قوله : ( من الرسول والكتاب ) فاستبعدوه فهو كقوله لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم لا مخالفة بينهما حتى يقال الآباء هنا الأوّلون وثمة الأقربون لعدم توصيفهم فيها فالمراد بالآباء على هذا الكفرة والاستفهام تقريريّ لا إنكاريّ كما توهم . قوله : ( أو من الأمن من عذاب اللّه ) أي لهم من الأمن من عذاب اللّه وخوفه