مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما أو جعلنا ابن مريم آية بأن تكلم في المهد وظهر منه معجزات أخر وأمّه آية بأن ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ
أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة أو دمشق أو وملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربا وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء وقرىء رباوة بالضم والكسر
ذاتِ قَرارٍ
مستقرّ من الأرض منبسطة وقيل ذات ثمار وزروع فإنّ ساكنيها يستقرّون فيها لأجلها
وَمَعِينٍ
وماء معين ظاهر جار فعيل من معن الماء إذا
شرح
الاهتداء بالكتب الإلهية إنما يحصل بالعمل بما فيها لا بعلمها وردّ بأنّ المراد بالأحكام الأحكام العملية فتفسيره شامل للعلم والعمل وهو أفيد . وقوله لا بعلمها مما لا وجه له فإنّ فيها ما هو محض اعتقاد وإذعان كالعقائد وما هو عمليّ كالفروع . وكونه من الاقتصار على ما هو الأصل والعمدة وإن جاز لا داعي له مع تحمل عبارته للتعميم وهو أولى . قوله : ( بولادتها إياه ) يعني أنه كان المتبادر آيتين فجعلهما آية واحدة لأنّ الخارق للعادة أمر واحد مشترك بينهما وهو ولادتها من غير زوج هو أب له فأفرده لأنه مفرد في الواقع متعدّد باعتبار أنه أمر نسبيّ متعدّد باعتبار طرفيه أو هو على تقدير مضاف أي حالهما أو ذوي آية أو هو على حذف آية من الأوّل لدلالة الثاني عليه ولم يجعل الحذف من الثاني لما فيه من عدم الفصل على هذا وفي الآخر الفصل بين المفعولين وليس هذا من التنازع كما توهم ولك أن تقول إنّ إفراده لأنّ الآية إذا كانت بمعنى المعجزة أو الإرهاص فإنما هي لعيسى عليه الصلاة والسّلام لنبوّته دون مريم والسؤال إنما يتأتى إذا أريد أنها آية على قدرة اللّه وقوله بأن تكلم في المهد الخ قيل عليه إنه يدلّي على أنّ تكلمه صلّى اللّه عليه وسلّم في المهد معجزة له وهو مخالف لجعله قوله في المهد وجعلني نبيا من التعبير بالماضي عما يستقبل الخ وليس بشيء لأنه في المهد لا يتصوّر دعوته صلّى اللّه عليه وسلّم للخلق حتى يكون نبيا بالفعل وما صدر منه إرهاص وتسميته معجزة تجوز كما لا يخفى فلا غبار عليه .
قوله : ( وآويناهما إلى ربوة ) لأنّ الملك همّ بقتله ففرّت به والربوة ما ارتفع من الأرض دون الجبل ودمشق علم لولد لنمروذ سميت به المدينة كما قاله أبو عبيدة وقرى مصر كل واحدة منها على ربوة مرتفعة لعموم النيل في زيادته لجميع أرضها كما هو مشاهد ، ورباوة بمعنى ربوة وبيت المقدس قيل إنه أرفع بقعة في الأرض ولذا كان المعراج ورفع عيسى عليه الصلاة والسّلام منه وقوله : مستقرّ من الأرض منبسطة يعني به أنّ القرار بمعنى الثبات ويكون بمعنى مستقرّ كما مرّ وكون الربا الهضبات قارّة ثابتة معلوم لا فائدة في التوصيف به فالمراد أنها ربوة في واد فسيح تنبسط به نفس من يأوي إليه أو المراد أنها محل صالح لقرار الناس لما فيه من الزروع والثمار وهو المناسب لقوله ومعين فقوله مستقرّ تفسير للمضاف أو المضاف إليه ومنبسطة بمعنى مستوية ، ويجوز أن يريد سارة فإنه يستعمل بهذا المعنى . قوله : ( وماء معين ) إشارة إلى أنه صفة موصوف مقدّر وقوله ظاهر مجار تفسير له على الوجوه الآتية واختلف في وزنه فقيل الميم أصلية ووزنه فعيل من معن بمعنى جرى ويلزمه الظهور لأنّ الماء الجاري