فَاسْتَكْبَرُوا
عن الإيمان والمتابعة
وَكانُوا قَوْماً عالِينَ
متكبرين
فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
ثنى البشر لأنه يطلق للواحد كقوله بشرا سويا كما يطلق للجمع كقوله فأمّا ترينّ من البشر أحدا ولم يثن المثل لأنه في حكم المصدر وهذه القصص كما ترى تشهد بأنّ قصارى شبه المنكرين للنبوّة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمّل فإنّ النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادّة يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التعلم والتفكر في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه عملهم وإليه أشار بقوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ *
وَقَوْمُهُما
يعني بني إسرائيل
مِثْلِنا
شرح
تفسيره الأوّل وإذا أريد بها المعجزات فهو من تعاطف المتحدين في الما صدق لتغاير مدلوليهما كعطف الصفة على الصفة مع ا تحاد الذات أو هو من باب قولك مررت بالرجل والنسمة المباركة حيث جرّد من نفس الآيات سلطان مبين وعطف عليه مبالغة وأفراده حينئذ لأنه مصدر في الأصل أو لاتحادهما في المراد وقوله فإنها بيان لإطلاقهما عليها . قوله : ( عن الإيمان والمتابعة ) لأنهما دعوا فرعون وملأه إلى ذلك كما صرّح به في آيات أخر كقوله فقل هل لك إلى أن تزكي وأهديك إلى ربك فتخشى ولا ينافيه أنهما طلبا منه خلاص بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى الشأم لأنهما ذكراه تدريجا في الدعوة واهتماما بخلاصهم من الأسر فدعوى أنه هو المراد لا ما ذكره المصنف رحمه اللّه مكابرة كيف لا والإرسال بالمعجزات لم يكن لذلك .
وقوله بعده فكذبوهما تفسير هنا وعدم إجابة سؤاله لا يناسبه الاستكبار ظاهرا . وقوله متكبرين أو متطاولين بالبغي والظلم فالعلوّ معنويّ . قوله : ( البشر ) يطلق على الواحد وغيره لأنه اسم جنس والمثل في الأصل مصدر وقد ثنيا وجمعا كقوله لبشرين هنا وعباد أمثالكم فلذا ثني بشر وأفرد مثل وهذا هو المصحح وإنما الكلام في المرجح لتثنية الأوّل وإفراد الثاني وهو الإشارة بالأوّل إلى قلتهما وانفرادهما عن قومهما مع كثرة ملتهم واجتماعهم وشدّة تماثلهم حتى كأنهم شيء واحد وهو أدل على ما عنوا . قوله : ( بأن قصارى شبه المنكرين ) أي غايتها وأعظمها لتكرّره منهم كما سمعته في الآيات المسابقة والحقيقة البشرية والإنسانية وقوله متباينة بمعنى متباعدة والأقدام جمع قدم وهي معروفة وتباين الإقدام كناية عن التفاوت فيما بينها والمراد تفاوتها بجعل اللّه لا بأمر ذاتيّ كما تدّعيه الحكماء كما مرّ وكما ترى متعلق بقوله يمكن وقدّم لأنه دليل لما بعده وأغنياء بالموحدة جمع غبيّ وبينه وبين أغنياء تجنيس وعاد عليه بمعنى أفاده والرادّة كالمردّة الفائدة كالعائدة وقوله أغنياء عن التعلم لكونها أنفسا قدسية ملهمة محدثة وهذه مرتبة من مراتب النبوّة يعلم من إثباتها إثبات غيرها كتخصيصهم بالوحي فلا يتوهم أن ما ذكره لا يثبت المدّعي وإليه أشار بقوله فيدركون الخ . قوله : ( وإليه أشار بقوله الخ ) لأنه كما قال الراغب تنبيه على أن الناس متساوون في البشرية وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف