فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
يحتمل الأخبار والدعاء وبعدا مصدر بعد إذا هلك وهو من المصادر التي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها واللام لبيان من دعى عليه بالبعد ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
يعني قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها
الوقت الذي حدّ لهلاكها ومن مزيدة للاستغراق
وَما يَسْتَأْخِرُونَ
الأجل
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا
متواترين واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد والتاء بدل من الواو كتولج وتيقور والألف للتأنيث لأنّ الرسل جماعة وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتنوين على أنه مصدر بمعنى المتواترة وقع حالا
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ
أضاف
شرح
كطارت به العنقاء والدمار بالمهملة كالهلاك لفظا ومعنى . قوله : ( يحتمل الإخبار والدعاء ) البعد ضدّ القرب والهلاك وفعلهما ككرم وفرح والمتعارف الأوّل في الأوّل والثاني في الثاني والمصدر يكون بعدا وبعدا كرشد ورشد وهو منصوب بمقدّر أي بعدوا بعدا والإخبار ببعدهم من رحمة اللّه من كل خير أو النجاة والدعاء بذلك والمراد أنهم مستوجبون للعذاب فقوله : بعد بضم العين أو كسرها لكن في قوله لا يستعمل إظهارها نظر لأنّ وجوب حذف عامله عند سيبويه إنما ذكروه فيما إذا كان دعائيا كما صرّح به في الدر المصون ففي كلامه إطلاق في محل التقييد وقوله : إظهارها من إضافة الصفة للموصوف أي لا تستعمل مظهرة . قوله : ( لبيان من دعى عليه ) أو من أخبر ببعده وفي الاقتصار على الدعاء إشارة إلى ترجيحه فهي متعلقة بمحذوف كما في سقيا لك والتعليل بأنّ إبعادهم لظلمهم كما تقرّر في التعليق بالمشتق وقوله يعني قوم صالح عليه الصلاة والسّلام فيه إشارة إلى أنّ الدليل على أنّ القرن السابق قوم صالح غير صالح للتعويل وقوله : ومن مزيدة للاستغراق يعني أنها زيدت في الفاعل لتأكيد الاستغراق المستفاد من النكرة الواقعة في سياق النفي وضمير يستأخرون لأنه باعتبار معناه . قوله :
( متواترين ) أي متتابعين فردا فردا واختلف أهل اللغة في معناه بعد الاختلاف في لفظه هل هو مصدر أو جمع أو اسم جمع فقيل إنه التتابع والتوالي مطلقا وقيل تتابع مع فصل ومهلة كما اختاره الحريري في الدرّة وانتصابه على الحال كما أشار إليه بقوله متواترين وقيل إنه صفة مصدر مقدّر أي إرسالا تترى وقيل مصدر لأرسلنا لأنه بمعنى واترنا وقوله والتاء أي الأولى بدل من الواو كما في تجاه وتجيه وهو كثير والدليل عليه الاشتقاق وكثرة فعلى في الأسماء ومفعول كديجور دون تفعل وتفعول كما في تولج المقرّ الوحش وكناسه لأنه يلج فيه . وتيقور بمعنى الوقار وقوله على أنه مصدر ظاهره أنه في القراءة الأولى ليس بمصدر مع أنه قيل به كما مرّ ونظيره دعوى وألف التأنيث في المصادر كثيرة فتعليله غير تام فالظاهر أن يقول على أنّ ألفه للإلحاق كارطي لكن ألف الإلحاق في المصادر نادرة وقيل إنها لا توجد فيه وقيل إنه عليه تتر بوزن فعل وردّ بأنه لم يسمع إجراء حركات الإعراب على رائه وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وقوله بمعنى المواترة إن أراد أنه حال من ضمير أرسلنا فهو على ظاهره وإن كان حالا من المفعول ففيه مسامحة ولذا وقع في بعض النسخ المتواترة أي الرسل المتواترة وهي أظهر .