وإنما جيء بعلى لأنّ السابق ضار كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
بالدعاء لهم بالإنجاء
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
لا محالة لظلمهم بالإشراك والمعاصي ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف وقد أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
كقوله فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي
في السفينة أو في الأرض
مُنْزَلًا مُبارَكاً
يتسبب لمزيد الخير في الدارين . وقرأ غير أبي بكر منزلا بمعنى إنزالا أو موضع إنزال
وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
ثناء
شرح
على العشيرة يطلق على أمّة الإجابة وهو المراد بالثاني والاستثناء منقطع وإنما ذكر الثاني هنا ولم يذكره في سورة هود للزوم ترك المؤمنين هنا بخلافه ثمة للتصريح بهم فكان ينبغي الاقتصار عليه كما فعله بعض المتأخرين ولا يلزمه الجمع بين معنيي المشترك كما توهم وكونه تفسيرا بما لا يحتمله اللفظ لا يجدي نفعا فلعله أدخل من آمن به في أهله وفي أهل بيته تغليبا بقرينة ما بعده ولعلمه من التصريح به ثمة ، وضمير منهم لأهله بمعنييه لا لقومه كما قيل إذ هو تكلف بلا فائدة فتدبر . قوله : ( بإهلاكه للكفرة ) وفي نسخة الكفرة . وقوله : الذين ظلموا أقامه مقام الضمير للتنبيه على علة النهي كما أشار إليه بقوله لظلمهم بالإشراك . وقوله : بالدعاء لهم بالإنجاء قدره بقرينة ما بعده ولو عمم لصح ودخل فيه هذا بالطريق الأولى . وقوله لا محالة من التأكيدات . وقوله : إنهم مغرقون استئناف بيانيّ لتعليل ما قبله . وقوله : لا يشفع له أي لا ينبغي أن يشفع له . وقوله : ولا يشفع فيه بالتشديد . والتشفيع قبول الشفاعة كما ورد الشفيع المشفع في المحشر وقوله : كيف أي كيف يليق أن يشفع له أو يشفع فيه وهلاكه من النعم التي أمره بالحمد عليها . وفي أمره بالحمد على نجاة اتباعه إشارة إلى أنه نعمة عليه ، والحمد هنا رديف الشكر ولما كان وقوعه في مقابلة الإهلاك غير متبادر أورد الآية الأخرى تنظيرا له . قوله :
( وههنا نكتة ) وهي أنّ في هذه الآية إشارة إلى أنه لا ينبغي المسرّة بمصيبة أحد ولو عدوّا من حيث كونها مصيبة له بل لما تضمنه من السلامة من ضرره أو تطهير الأرض من وسخ شركه وإضلاله ولذا قال : نجانا دون أهلكهم لأمره بالحمد هنا وصرّح بقطع دايرهم ثمة فافهم .
قوله : ( في السفينة ) إن كان قبل دخولها أو المراد أدم بركة منزلي فيها أو وفقني للنزول في أبرك منازلها لأنها واسعة إن كان بعده . فلا يقال كان حقه أن يقول اجعل منزلي . وقوله : أو في الأرض إن كان الدعاء بعد قراره في السفينة . وأعاد قل لتعدّد الدعاء . والأوّل بدفع ضرر ولذا قدّمه وهذا لجلب منفعة . قوله : ( يتسبب لمزيد الخير في الدارين ) بيان لكونه مباركا في الدنيا بالسلامة وإهلاك العدوّ وفي الآخرة لنصرة دينه وإبطال الشرك الذي لم يغسل دونه غير الطوفان وقال : يتسبب للدلالة على قوّته في السببية حتى كأنه بدون مسبب مع أنّ قوله ربّ نداء بمسببه فلا يتوهم أنّ الأولى بسبب . وقوله : وقرأ غير أبي بكر منزلا أي بضم الميم وفتح الزاي والباقون بفتح فكسر وإنما خالف عادته في جعل ما عليه أكثر القراء أصلا مع أنه المناسب