يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
أن يرسل رسولا
لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
رسلا
ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
يعنون نوحا عليه السّلام أي ما سمعنا به أنه نبيّ أو ما كلمهم به من الحث على عبادة اللّه ونفي إله غيره أو من دعوى النبوّة وذلك إمّا من فرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
أي جنون ولأجله يقول ذلك
فَتَرَبَّصُوا بِهِ
فاحتملوه وانتظروا
حَتَّى حِينٍ
لعله يفيق من
شرح
الوصف ذكر للذم لأنّ قائل هذه المقالة لا يكون مؤمنا ولأنّ أشرافهم لم يتبعوه لقوله ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ويصح أن تكون للتمييز وإن لم يؤمن بعض أشرافهم وقت التكلم بهذا الكلام لأنّ من أهله المتبعين له أشرافا وأمّا تلك الآية فعلى زعمهم أو لقلة المتبعين منهم .
قوله : ( أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم ) جعل طلب الفضل الدال عليه صيغة التفعل كناية عن السيادة ولذا عطفه عليه عطفا تفسيريا فلا يرد عليه أنّ الإرادة عين الطلب فيكون التقدير يطلب أن يطلب الفضل عليكم والمطلوب هو الفضل لا طلبه حتى يقال إنّ صيغة التفعل مستعارة للكمال فإنّ ما يتكلف له بكون على أكمل وجه مع أنّ الطلب ينبعث عن الإرادة لا عينها فتأمّل . قوله : ( أن يرسل رسولا ) هو مفعول المشيئة المقدّر المفهوم من السياق وأمّا القول بأنه إنما يحذف إذا لم يكن أمرا غرينا وكان مضمون الجزاء كما قرّر في المعاني فليس بلازم وإن أوهمه كلامهم لأنّ ما ذكروه ضابطة للحذف المطرد في فعل المشيئة لا مطلقا فإنه كسائر المفاعيل يحذف ويقدّر بحسب القرائن مع أنه هنا غير مخالف لكلامهم كما توهم ولذا فسر ملائكة برسلا وقد مرّ تفصيله . قوله : ( ما سمعنا به أنه نبيّ ) بدل من الضمير المجرور ليتعلق السماع به فإنه لا يكون متعلقه جثة فيكون معنى السماع به السماع بخبر نبوّته وقد جوّزوا فيه أن يكون هذا إشارة إلى الاسم وهو لفظ نوح عليه الصلاة والسّلام والمعنى لو كان نبيا لكان له ذكر في آبائنا الأوّلين وهذا الوجه وما قبله إنما يتأتى من متأخري قومه المولودين بعد بعثته بمدّة طويلة فيكون المراد بآباءهم من مضى قبلهم في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا القول صدر منهم بعد مضيهم ولا يلزم أن يكون في آخر أمره فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب كما أثبته النحاة . وقوله : ما كلمهم به معطوف على نوحا وعلى هذا لا يحتاج إلى تأويل . وفي الكشاف أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا الذي يدّعي وهو بشر أنه رسول اللّه وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوّة ببشر ، وقد رضوا للإلهية بحجر . وقد قيل إنه قدّر المثل إشارة إلى أنه لا بدّ من تقديره لأنّ عدم السماع بنوح عليه الصلاة والسّلام أو بكلامه المذكور لا يصلح للردّ لأنّ السماع بمثله كاف للقبول كما أفاده بعض المحققين من شرّاحه ومن لم يقف على مراده قال إنه لا حاجة إلى تقديره فإنّ الإشارة إلى نفس هذا الكلام مع قطع النظر عن المشخصات وفي قوله من الحث دون حثه إيماء إليه . نعم هو وجه آخر لا غبار عليه والظاهر أنه ليس إشارة إلى التقدير بل هو تقرير للمعنى فيتحد كلامهما فتدبر . قوله : ( وذلك ) أي كلامهم المذكور على الوجهين الأخيرين من أنه لم يحث أحد على عبادة اللّه أو لم يدّع بشر النبوّة مع وقوعه إمّا إنكار للواقع عنادا أو