الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ
على إزالته بالإفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه
لَقادِرُونَ
كما كنا قادرين على إنزاله وفي تنكير ذهاب إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإبعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ
بالماء
جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها
في الجنات
فَواكِهُ كَثِيرَةٌ
تتفكهون بها
وَمِنْها
ومن الجنات ثمارها وزروعها
تَأْكُلُونَ
تغذيا أو ترتزقون وتحصلون معايشكم من قولهم فلان يأكل من حرفته ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب أي لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه
وَشَجَرَةً
عطف على جنات وقرئت بالرفع على الابتداء أي ومما أنشأنا
شرح
لوجهين وإن كان أوّله ظاهرا في الأوّل . وقوله : من السماء إمّا على ظاهره على ما ورد في الحديث أنّ بعض الأنهار من الجنة « 1 » أو بمعنى السحاب أو المطر أو جهة العلو . وقوله :
بتقدير تفسير لقدر بوجهين متقاربين وهما التقدير والمقدار لكنه على هذا صفة ماء أو حال من الضمير وعلى الثاني صلة أنزلنا . وقوله : يكثر نفعه ويقل ضرره بيان لحكمة تقديره وفي الكشاف يسلمون معه من المضرّة وعدل المصنف عنه لأنه قد يضرّ لكن الضرر القليل مع الخير الكثير كلا ضرر فمآلهما عند التحقيق متحد ولذا اقتصر على الصلاح في الثاني واستقرارها شامل لما في ظاهرها كالأنهار وما في باطنها كالآبار . قوله : ( بالإفساد ) أي إخراجه عن المائية أو رفعه إلى محل آخر والاستنباط الاستخراج . وقوله : كما كنا قادرين الخ إشارة إلى أنّ هذه الجملة حالية . قوله : ( إيماء إلى كثرة طرقه ) لعموم النكرة وإن كانت في الإثبات . والمبالغة في الإبعاد ناشئة من كثرة الذهاب فلذا كان أبلغ أي أكثر مبالغة من تلك الآية لأنّ فيها ذهابا واحدا وهو التغوير المشعر ببقائه غائرا ولذا عقب بقوله :فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ[ سورة الملك ، الآية : 30 ] وذكر في التقريب للأبلغية ثمانية عشر وجها لكنها ليست كلها من التنكير واختيرت المبالغة هنا لأنّ المقام يقتضيها إذ هو لتعداد آيات الآفاق والأنفس على وجه يتضمن الدلالة على القدرة والرحمة مع كمال عظمة المتصف بهما ولذا ابتدئ بضمير العظمة مع التأكيد بخلاف مائة فإنه تتميم للحث على العبادة والترغيب عما هو فإن فلا يتوهم أنه عدل عن الأبلغ ثمة لأنه أبلغ في مقامه كما فصله في الكشف . قوله : ( من نخيل وأعناب ) قدّمهما لكثرتهما وكثرة الانتفاع بهما والمراد بالفواكه ما عداهما وثمارها وزروعها بدل من الجنات إشارة إلى أنّ من ابتدائية لأنّ الزروع ليست بعضا منها وإنما هي في خلالها وقيل إنها تبعيضية ومضمونها مفعول تأكلون وتغذيا تمييز أو منصوب بنزع الخافض . قوله : ( أو ترتزقون ) يعني أنّ الأكل مجاز أو كناية عن التعيش مطلقا فيشمل غيره ومن ابتدائية أو تبعيضية والأوّل متعين للمثال .
هامش
( 1 ) مراد المصنف ما أخرجه مسلم 2839 من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيحان وجيحان والفرات والنيل : كلّ من أنهار الجنة » .