المقدّر في موضع حال جيء به للمبالغة أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلها قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها تماثيل هي أعجز الأشياء وبين ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها قيل كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوي فيأكله
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
عابد الصنم ومعبوده أو الذباب يطلب ما يسلب عن
شرح
كونه بمعنى الاختلاف أي الذهاب والعود فقول آخر حتى قيل إنه منحوت من ذب آب أي طرد فرجع وإذبة وذبان بكسر الذال فيهما كما في القاموس . قوله : ( هو بجوابه المقدر في موضع الحال ) هذا بناء على أن الواو الداخلة على لو وإن الوصلية حالية وهو قول لبعض النحاة وقيل إنها عاطفة على مقدّر وكون جوابها مقدّرا قول أيضا ، وقيل إنها لا تحتاج إلى تقدير أصلا لأنها انسلخت عن معنى الشرطية وتمحضت للدلالة على الفرض والتقدير والمعنى مفروضا اجتماعهم كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه ولا منافاة بينهما لأنّ التقدير باعتبار أصل الوضع إذ لا بدّ لكل شرط من جواب وعدمه بعد استعماله لما ذكر فتدبر ، وقوله : فكيف الخ بيان لأنّ الوصلة تدل على خلافه بالطريق الأولى . قوله : ( جهلهم ) أي نسبهم إلى الجهل وشهرهم به وهذا بيان لمعنى الآية كلها وباء بأن سببية وعدى الإشراك لمفعولين لأنه بمعنى جعله شريكا وكان الظاهر أشركوا التماثيل والأصنام للإله لكنه عكسه لأنه وإن استلزم أحدهما الآخر لا وجه للعدول عن الظاهر فلذا قيل إنّ إلها مفعول ثان لا أوّل حتى برد عليه ما ذكر وإنما قدّم مسارعة إلى وصفه بما ذكر وتقديما للمعبود بحق على ضده ولأنه يثبت بما وصفه به ما بعده . قوله :
( وبين ذلك ) أي كونها أعجز الأشياء ودلالة ما ذكر بتمامه على الأعجزية ظاهرة لأنه لا أعجز مما لا يقدر مع التجمع على دفع الذباب الذي يقدر عليه أضعف المخلوقات فلا وجه لما قيل إنّ الثابت بذلك العجز لا الأعجزية فكل ما سوى اللّه كذلك ولا لتأويله بسلب أسباب القدرة كالحياة والإرادة وقوله تعجز الخ هو مأخوذ من سلبه لها فإنها لو ذبت لم تسلب فلا يرد أنه لا دلالة في النظم عليه وإن كان كذلك في الواقع ويتكلف أنّ الاستنقاذ عطف تفسير للذب .
قوله : ( قيل كانوا يطلونها ) أي الأصنام والطيب المراد به الزغفران ونحوه وهذا مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما والكوي بكسر الكاف جمع كوة بفتحها وضمها وهي ما يفتح في الحائط . قوله : ( عابد الصنم ومعبوده ) هذا تفسير السدي والضحاك وضمير معبوده للعابد والمعبود الصنم وكونه طالبا لدعائه لها واعتقاده نفعها وكونها مطلوبة ظاهر . قوله : ( أو الذباب ) هذا هو الوجه الثاني وهو إلى قوله أو يحتمل أن يكون وجها واحدا الطالب فيه الذباب والمطلوب الصنم ، وقوله : والصنم الخ إشارة إلى أنّ المطلوب في هذا الوجه بمعنى منه على الحذف والإيصال ويحتمل وجهين هذا وإليه أشار بقوله والصنم الخ وآخر وهو أن يكون