إذا زوّر في نفسه ما يهواه
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال عليه الصلاة والسّلام أنه ليغان على قلبي فأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرّة
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
فيبطله ويذهب به بعصمته من الركون إليه والإرشاد إلى ما يزيحه
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بأحوال الناس
حَكِيمٌ
فيما يفعله بهم قيل حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقرّبهم إليه واستمرّ به ذلك . حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة والنجم فأخذ يقرؤها فلما بلغ ومنات الثالثة الأخرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهوا أن قال تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ففرح به المشركون
شرح
وليس من الزور بمعناه المعروف كما لا يخفى ووقع في نسخة أزور أي خبئ وهو تحريف وروز بتقديم الراء وهو بمعناه الأوّل وقد ورد في حديث عمر رضي اللّه عنه المعروف وما يهواه ما يحبه وتشتهيه نفسه وقوله : في تشهيه ظاهره أنها مصدر وقال الراغب الأمنية الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء وما مفعول ألقي مقدّر ويجوز أن يكون مفعول تشهيه ويجوز أن يكون المعنى إذا تمنى إيمان قومه وهدايتهم ألقي الشيطان إلى أوليائه شبها فينسخ اللّه تلك الشبه ويحكم الآيات الدالة على الحقيقة ودفع الشبه .
قوله : ( إنه ليغان على قلبي « 1 » الخ ) حديث صحيح وللمشايخ والشراح فيه كلام طويل والغين قريب من الغيم لفظا ومعنى أن يعرض لقلبي ويغشاه بعض أمور من أمور الدنيا والخواطر البشرية مما يلزمه للتبليغ لكنها لإشغالها عن ذكر اللّه يعدها كالذنوب فيفزع إلى الاستغفار منها وسبعين للتكثير لا للتخصيص . قوله : ( ثم يحكم اللّه الخ ) أتى بثم لأنّ الأحكام أعلى رتبة من النسخ وفسر النسخ بإزالة ما وقع في نفسه بسبب أن يعصمه ويرشده والأحكام بتثبيت أمور الآخرة وإزالة غيرها وقوله : حدث نفسه بزوال المسكنة ضعفه لأنه لا يلائم قوله :
فتنة للذين في قلوبهم مرض . قوله : ( وقيل تمنى لحرصه الخ ) النادي بمعنى المجلس والمراد مجلس اجتمع فيه المسلمون والمشركون . وقوله : سبق لسانه سهوا هذا غير صحيح لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم محفوظ عن السهو بما يخالف الدين والشرع لأنّ التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالإجماع وإذا سها صلّى اللّه عليه وسلّم في صلاة ونحوها كان تشريعا حتى قال بعض المشايخ أنّ سجدة السهو في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم سجدة شكر . وأيضا السهو بمثل هذا من كلام مسجع مناسب لسباقه ولحاقه بعيد جدّا ، وكونه صلّى اللّه عليه وسلّم أفصح الناس فلا يقال حاله بغيره لا وجه له هنا ، وقوله : ألقى الشيطان في أمنيته يأباه ظاهر الآية ولو كان كذلك قال على لسانه ، وقوله :
أن قال : تقديره إلى أن قال . قوله : ( الغرانيق ) جمع غرنوق كزنبور أو فردوس طائر مائيّ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 2702 ح 41 ، وأحمد 4 / 260 ، وأبو داود 1515 والنسائي في اليوم والليلة 442 ، والبغوي 1287 ، والطبراني 888 - 889 ، وابن حبان 931 كلهم من حديث الأغر المزني .