وأوّله الحنفية بمكة واستشهدوا بقوله :
الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
أي المقيم والطارىء على عدم جواز بيع دورها وإجارتها وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى :
شرح
المقيم لمقابلته بالبادي وهو الطارىء عليه أي غير المقيم فيه والإقامة لا تكون في البيت نفسه بل في منازل مكة ، وكذا قوله : ومن يرد فيه الخ فإنّ المتوعد عليه الظلم في الحرم كله ، ومكة منه فقوله واستشهدوا أي بإشارة نصه كما قيل إلا أنه قال : في الكشف أيّ مدخل لحديث التمليك وعدمه في هذا المساق والاستدراك بأنّ له مدخلا على سبيل الإدماج وإشارة النص كلام لا طائل تحته وقد فسروا المسجد الحرام بالمطاف والعاكف بالمعتكف للعبادة فيه المعدود ومن أهله لملازمته له والمساواة في إقامة الشعائر وهو أظهر ، وأمّا الاستدلال بأنه أريد بالمسجد الحرام في قوله :مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى[ سورة الإسراء ، الآية : 1 ] مكة بأنّ الإسراء كان منها لأنه كان من بيت أمّ هانئ فغير مسلم عندهم لما روي في الصحيحين وغيرهما في حديث الإسراء من قوله بينما أنا في الحطيم أو في الحجر إذ أتاني آت الحديث كما بيناه « 1 » وأمّا التعارض بين الحديثين فمبين في محله . قوله : ( على عدم جواز بيع دورها ) أي مكة وإجارتها أي الدور وقد ورد في الأحاديث الصحيحة التصريح به كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « مكة حرّمها اللّه لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها » « 2 » روي من طرق عديدة . وقد نهى عمر رضي اللّه عنه أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج . وقال ابن عمر رضي اللّه عنهما من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه لأنّ الناس في الانتفاع به سواء وهذا في الأرض دون البناء .
قال في الهداية : لا بأس ببيع بناء مكة ويكره بيع أرضها وهذا عند أبي حنيفة وقالا لا بأس ببيع أرضها وهو رواية عنه أيضا وهو مذهب الشافعي رضي اللّه عنه وعليه الفتوى وإلى كل ذهب طائفة من الصحابة كما بين في محله وأمّا كراهة الإجارة فمحل نظر . قوله : ( وهو مع ضعفه ) وجه الضعف إنّ أرضها إذا لم تملك لم يملك بناؤها ولم يقر عليه لأنه بناء غاصب كما لو بنى رجل بيتا له في جامع لا إنّ الظاهر أنّ المراد بالمسجد الحرام البيت نفسه والعاكف بمعنى الملازم له وأنّ الاستواء في كونه قبلة ومتعبدا وأنه يجب تعظيمه كما قيل لأنه غير مسلم ، كيف وقد اعتضد بالأحاديث الصحيحة مع أنه تقييد للمطلق بلا دليل . قوله : ( معارض الخ ) أي حيث أضاف الديار إليهم وظاهر الإضافة الملكية للبناء والأرض لأنّ الدار اسم لهما كما بين في كتب اللغة . وأمّا جعل الإضافة لتملك البناء والانتفاع فخلاف الأصل وما اشتراه عمر رضي اللّه عنه هو البناء والنقض ويعينه أنه مذهبه كما روي في الآثار الصحيحة عنه وكانت دور مكة تسمى
هامش
( 1 ) تقدم في أول سورة الإسراء .
( 2 ) أخرجه البيهقي 6 / 35 من حديث عبد اللّه بن عمرو وقال البيهقي : إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف وأبوه غير قوي واختلف عليه فروي عنه هكذا وروي عنه عن أبيه عن مجاهد عن عبد اللّه بن عمرو ببعض معناه .