القيامة
قُطِّعَتْ لَهُمْ
قدّرت لهم على مقادير جثتهم وقرىء بالتخفيف
ثِيابٌ مِنْ نارٍ
نيران تحيط بهم إحاطة الثياب
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ
حال من الضمير في لهم أو خبر ثان والحميم الماء الحارّ
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
أي يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم فيذاب به أحشاؤهم كما يذاب به جلودهم والجملة حال من الحميم أو من ضميرهم وقرىء بالتشديد للتكثير
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
سياط منه يجلدون بها جمع مقمعة وحقيقتها ما يقمع به أي كيف بعنف
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها
من النار
مِنْ غَمٍّ
من غمومها بدل من الهاء بإعادة الجار
أُعِيدُوا فِيها
أي فخرجوا أعيدوا
شرح
قوله : ( نيران تحيط بهم إحاطة الثياب ) ظاهره أنه تشبيه بليغ بجعل النيران كالثياب في الإحاطة والتشبيه على طريق التجريد لكنه ينبغي أن يحمل على الاستعارة كما مرّ وجمع الثياب لأنّ النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض وهذا أبلغ من جعله من مقابلة الجمع بالجمع فيكون لكل نار وإن احتملهما كلامه . والتعبير بالماضي لأنه بمعنى إعدادها وتهيئتها لهم ولذا لم يقل ألبسوا وهو قد وقع بخلاف ما بعده فليس من التعبير بالماضي لتحققه كما قيل والحال فيه مقدّرة . قوله تعالى : (ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) هو معطوف على ما قيل وتأخره عنه إمّا لمراعاة الفاصلة أو للإشعار بغاية الحرارة بإيهام أنّ تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر مع أنه على العكس ، وقيل إنّ التأثير في الظاهر ظاهر غنيّ عن البيان وإنما ذكر للإشارة إلى تساويهما ولذا قدّم الباطن لأنه المقصود الأهم فلا يتوهم أنّ حق النظم تقديم الجلود . قوله : ( يؤثر من فرط حرارته الخ ) التأثر في الظاهر والباطن مأخوذ من البطون والجلود والإذابة معنى الإصهار كما ذكره أهل اللغة لأنه يقال أصهرت الشحم إذا أنبته والجملة حال أو مستأنفة . وقوله : بالتشديد المراد به تشديد الهاء وضمير لهم للكفرة وكونه للزبانية بعيد واللام للاستحقاق أو للفائدة تهكما بهم والمقمعة بكسر الميم الأولى اسم آلة من القمع . وقوله : من النار إشارة إلى أنّ كونه للثياب ركيك وإن كان مآلهما واحدا . وقوله : من غمومها إشارة إلى عموم النكرة لأنّ التنوين للتكثير وذكر الضمير إشارة إلى أنه مقدّر لأنه لا بدّ منه في البدل .
ويجوز كون من تعليلية فيتعلق بيخرجوا وعلى البدلية فهو بدل اشتمال قوله : ( فخرجوا أعيدوا ) كون الإعادة إلى النار يقتضي الخروج منها لا شبهة فيه فلذا قدّره المصنف إذ لا بدّ من التأويل إمّا بالتقدير أو بالتجوّز في أعيدوا بجعله بمعنى ابقوا ، وقيل الإرادة مجاز هنا للقرب كقوله يريد أن ينقض كما مرّ والإعادة إلى حاق النار ومعظمها إذ لا خروج لهم لقوله تعالى :وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْهاولذا قال فيها دون إليها وإلا لقيل كلما خرجوا أعيدوا لئلا تضيع الإرادة واعترض بأنّ ما ذكره احتمال ولا وجه للجزم به مع تكلفه وأمّا قوله : وما هم بخارجين منها فالمراد لا يستمرّون على الخروج كما تدلّ عليه الاسمية بمعونة المقام والعود قد يعدى بفي للدلالة على التمكن والاستقرار وذكر الإرادة للدلالة على رغبتهم في الخروج وطلبهم له ولو لم يلاحظ هذا ضاعت الإرادة فيما اختاره أيضا مع ما فيه من التعقيد الذي ترى التقدير أوفق منه