وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر ما عرفه والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً
ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رمادا
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ
تحرّكت بالنبات
وَرَبَتْ
وانتفخت وقرىء ربأت أي ارتفعت
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
من كلّ صنف
بَهِيجٍ
حسن رائق وهذه دلالة ثالثة كرّرها اللّه تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة
ذلِكَ
إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادّة وإحياء الأرض بعد موتها وهو مبتدأ خبره
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
أي بسبب أنه الثابت في نفسه الذي به تتحقق الأشياء
وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى
وأنه يقدر على
شرح
أنكر ما عرفه ونسي ما علمه فهم أنه لا يعلم غيره فلا يقال إنّ الأولى إبقاؤه على ظاهره واللام هنا لام العاقبة . قوله : ( استدلال ثان الخ ) يعني قوله ثم نخرجكم طفلا الخ بقرينة قوله : أسنانه جمع سن وهو مقدار مدّة العمر بعد الولادة وقوله بعده وتحويله الخ لا من قوله ونقرّ في الأرحام الخ لأنه توطئة لما بعده فإنّ الظاهر أنه من الدليل الأول ، وقوله فإنّ الخ بيان لوجه الاستدلال بأمور الآفاق التي تشاهد فإنّ الإنسان ينظر ما هو خارج عنه غالبا والأوّلان بأمور الأنفس وقيل إنه للدلالة على امتيازه عنهما فإنّ الأول غير مشاهد والثاني مشاهد لكنه ليس مثل هذا في الظهور وقوله : وكونها مشاهدة ملائم للأوّل وهو صريح في أن رأى بصرية لا علمية كما قيل ، وقوله : من همدت النار يشير إلى أنه استعارة ويابسة تفسير لقوله ميتة ، وقوله : تحرّكت بالنبات أي تحرّكت في رأي العين بسبب حركة النبات ولو قال تحرّك نباتها لأنه إسناد مجازي كان أظهر ، وقيل المراد الحركة في الكيف ولا يخفى بعده ، وقوله :
وانتفخت بالخاء المعجمة تفسير لربت أي علت لما يتداخلها من الماء ويعلو من نباتها ، والزوج هنا بمعنى الصنف لا بمعناه المعروف ، وقوله : رائق أي حسن المنظر وقوله إلى ما ذكر توجيه لإفراد ذلك ومن الخ بيان لما ، والأطوار من قوله من نطفة الخ والأحوال من قوله طفلا الخ ، وقوله : وهو أي لفظ ذلك . قوله : ( أي بسبب أنه الثابت الخ ) يعني أنّ الباء هنا للسببية وأنّ الحق بمعنى الثابت المتحقق وإنما قال في نفسه بمعنى أنه واجب الوجود لا يستند إلى شيء بل جميع الأشياء مستندة إليه لأنّ ضمير الفصل يفيد الحصر وهو إنما يتأتى إذا فسر بما ذكر والظاهر ما ذكره بعض شراح الكشاف من أنّ ذلك إشارة إلى البعث المستدل عليه بما سبق أي البعث الثابت بحقية اللّه وإحيائه لا ما قيل إنّ الأنسب بكون المقصود نفي الريب أن يكون التقدير ذلك المذكور مشعر بأنّ اللّه هو الحق المحيي للموتى القدير مطلقا لتكلفه وبعده ، وقوله : الذي به تتحقق الأشياء توطئة لما بعده أو أنه لما حصر الوجود الذاتي فيه تعالى علم منه أن غيره لا يتحقق إلا به . قوله : ( وأنه يقدر على إحيائها ) كذا وقع في بعض النسخ فما بعده تعليل له وسقط من بعضها فيكون أبقاه على ظاهره ولم يؤوّله بالقدرة عليه كما في الكشاف والموت على تفسيره مجاز شامل للإنبات وإخراج الولد من النطفة وإنما عممه