نافع مثقال على كان التامّة
أَتَيْنا بِها
أحضرناها وقرئ آتينا بمعنى جازينا بها من الإيتاء فإنه قريب من أعطينا أو من المؤاتاة فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وأثبنا من الثواب وجئنا والضمير للمثقال وتأنيثه لإضافته إلى الحبة
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
أي الكتاب الجامع لكونه فارقا بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة وذكرا يتعظ به المتقون أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع وقيل الفرقان النصر وقيل فلق البحر وقرئ ضياء بغير واو على أنه حال من الفرقان
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
صفة للمتقين أو مدح لهم
شرح
تشمل الفكرة الواقعة في سياق النفي النفوس الفاجرة - وحبة خردل كناية عن غاية القلة - وقوله :
وإن كان العمل الخ بيان لأنّ الضمير راجع لشيئا بتفسيريه لكنه عبر عنه بالعمل لأنه المراد من قوله حقها توضيحا فلا يقال إنّ الأولى أن يقول وإن كان حقها وإن شرطية جوابها أتينا ويجوز كونها وصلية وجملة أتينا مستأنفة قيل والمراد بالظلم في قوله : أو الظلم ظلم أنفسهم وغيرهم ، وقد يحمل على ما يفعل به من النقص أو الزيادة ربط قوله أتينا بها عليه لا يخلو عن تعسف وفيه تأمّل . قوله : ( أحضرناها ) هذا معناه على القصر والباء للتعدية وتفسرها القراءة الآتية جئنا بها ، وأمّا على قراءة المدّ فاختلف فيها فقيل هو من الأفعال وأصله أأتينا فأبدلت الهمزة الثانية ألفا قال المعرب كذا توهم بعضهم وهو غلط قال ابن عطية تبعا لابن جني ولو كان آتينا بمعنى أعطينا لما تعدّى بحرف جرّ انته . والمصنف رحمه اللّه لما رأى هذا جعلها مجازا عن المجازاة وهي تتعدّى بالباء تقول جازيته بكذا فلذا قال إنه قريب من الإعطاء أي يشبهه فمن غفل عنه فسره بالإعطاء . ورد قوله : قريب منه وكذا من قال إنّ الباء للسببية أو للمقابلة والمفعول محذوف أي آتيناها بها . قوله : ( أو من المؤاتاة الخ ) بالهمزة يعني أنه مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء ، فهو مجاز والباء للتعدية أيضا فقوله : فإنهم الخ تصحيح لمعنى المفاعلة وبيان لأنها مجاز إذ حقيقته تقتضي اتحاد الطرفين في المأتيّ به وهو قريب من عالج الطبيب المريض كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى :يُخادِعُونَ اللَّهَ *فمن قال إنه لا يصح إلا أن يراد بيان محصل المعنى لا تعيين المفعول لم يصب . ومعنى إتيان اللّه بأعمالهم مجازاتهم . قوله : ( وجئنا ) أي قرئ جئنا . وقوله : والضمير أي ضمير أتينا بها للمثقال لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه وهذا مشكل على قراءة النصب وجعل الضمير الذي هو اسم كان للظلم فإنه الظلم المنفي فلا يصح معنى أن يجعل مأتيا به ، وقد مرّ توجيهه بأنه الظلم الصادر من العباد لأنفسهم أو لغيرهم ولا يخفى بعده ولذا قيل إنه مخصوص بإرجاعه للعمل فتأمّل . وقوله : حاسبين تمييز أو حال والإصابة في الحساب تقتضي العلم والعدل . قوله : ( أي الكتاب الجامع الخ ) يعني أنّ المتعاطفات متحدة بالذات متغايرة بتغاير ما تضمنته من الصفات وقد يعدّ مثل هذا العطف تجريدا نحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة ولا بعد فيه . وقوله : يستضاء الخ أي يهتدى به فهو استعارة تصريحية متضمنة