والتمييز أو كانت السماوات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكا وكانت الأرضون واحدة فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات أو أقاليم وقيل كانتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج وقيل كانتا رتقا لا تمطر ولا تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها على أنّ لها مدخلا ما في الأمطار والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا فإن الفتق عارض مفتقرا إلى مؤثر واجب ابتداء أو بوسط أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب وإنما قال كانتا ولم
شرح
كانت السماوات واحدة الخ ) التفسير الأوّل بناء على أنّ السماوات والأرضين طبقات متباعدة متغايرة كما وردت به الآثار وهذا مبنيّ على خلافه ، وأنّ السماوات كقشور البصلة المتلاصقة وأنّ الأرض واحدة وإن كلا منها متحد الماهية لكنها غير متلاحمة فمعنى رتقها عدم تغايرها هيئة وصفة ومعنى فتقها اختلاف حركاتها وأقاليمها فلا يرد عليه ما قيل إنه كان الظاهر أن يقول بالعوارض المشخصة لأنها جزء من الماهية المختصة بكل فرد منها بخلاف الحركات ، وما ذكر في الأرض غير ثابت عندنا والقائل به قائل بكونها رتقا لكونها قديمة عنده . قوله : ( وقيل كانتا بحيث الخ ) معنى الفتق والرتق عليه ظاهر وقوله لا تمطر ولا تنبت لف ونشر مرتب والفتق والرتق استعارة على هذا . وقوله : سماء الدنيا الخ إما أن يريد جهة العلو منها أو جعلها شاملة للسحاب على الجمع بين الحقيقة والمجاز وقيل المراد بها السحب فإنّ السماء يطلق عليها والمطر منها وجمعها على ما ذكره كثوب أخلاق . قوله : ( والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون ) وفي نسخة يتمكنون جواب سؤال وهو أنه كيف يستفهم منهم على سبيل التقدير وهم أي الكفرة لا يعلمون ذلك ولم يروه على الوجهين في رأي إن جعلت علمية أو بصرية فأجاب أوّلا بأنهم لما كانوا عقلاء متمكنين من علم ذلك نزل تمكنهم ، وما هو بالقوّة فيهم منزلة ما هو محقق بالفعل فهو قريب من قولهم ضيق فم الركية وقوله : فإنّ الفتق عارض على الوجوه السابقة وهو بيان لطريق النظر وقيل : إنه على التفسير الأوّل للفتق والرتق فتأمل وقوله : مفتقر إلى مؤثر بيان لما يستدل به عليه من إثبات الصانع . وواجب أي واجب الوجود صفة مؤثر .
وقوله ابتداء أو بوسط تقسيم للافتقار إلى المؤثر والصانع القديم وإنّ جميع الأشياء لا بدّ لها من أن ينتهي إسنادها إليه سواء كان بالذات كمخلوقات اللّه أو بالواسطة كالأشياء الصادرة منا . وقيل إنّ الابتداء على مذهب أهل الحق من أنه لا شرطية ولا علية والواسطة على مذهب غيرهم .
وقد قيل عليه إنّ أصالة الرتق وعروض الفتق مما لا يستقل به العقل وهو غير معلوم ولا تمكن معرفته بالنظر فلا يناسب قوله أو لم يروا ، نعم الفتق لإمكانه مفتقر إلى واجب وهو معلوم بأدنى نظر وأيضا الفتق بالتحريك غير معلوم لا بالنظر ولا بالاستفسار والمطالعة . قوله : ( أو استفسارا من العلماء ) أي علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخالطونهم . والمراد بالكتب الكتب السماوية قيل ويدخل فيها القرآن وإن لم يقبلوه لكونه معجزة في نفسه . ومطالعة يصح نصبه وجرّه وقيل الرتق القدر والفتق الإيجاد لأنّ العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة فإذا وجدت الحقائق