من الاختلاف والتمانع فإنها إن توافقت في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت فيه تعاوقت عنه .
شرح
الاستقلال بالفعل من كل منهما وهو صادق بالتمانع فلذا عطفه بالواو دون أو وفيه احتمالان آخران كما سيأتي ، والتمانع تفاعل من المنع وهو منع كل منهما للآخر عما يريده . قوله :
( فإنيها ) أي الآلهة إن توافقت في المراد بأن يريده كل منهما إرادة مستقلة لزم أن تطرد قدرة كل واحد منهما قدرة الآخر بعد عن عمله لعدم المرجح وإن تخالفت بأن أراد أحدهما شيئا والآخر ضدّه لزم إمّا وجود الضدّين أو عجز أحدهما ، ولا يصح الأوّل ولا الثاني لمنافاة الألوهية فيلزم التعاوق وهو أن يعوق كل منهما الآخر فلا يقع مقدور أصلا وهو المراد بالفساد ، فإن أريد بالاختلاف التطارد وبالتمانع التعاوق فهو لف ونشر مرتب وإلا فهو مشوّش والواو بمعنى أو كما قيل . وقيل المعنى لبطلتا لما يكون بينهما من التمانع إذ لا مجال للتوافق في المراد ولا يلزم أن لا تتطارد عليه القدرة ولا يخفى ما في تقرير المصنف رحمه اللّه من الخلل فتأمّل فقيل عليه إنا تأمّلنا فوجدنا تقريره خاليا من الخلل بل هو في تقريره حيث أخذ التمانع مقرّرا وعلل بامتناع التطارد ، مع أنه لا فرق بينهما في الامتناع فليس الأوّل أقرب إلى الوقوع من الثاني .
وقال : بعض علماء العصر لا يخفى أنّ كلام المتأمّل مشعر بعدم التأمّل إذ استحالة التوافق أظهر عند العقل وبهذا توجه العلماء إلى بيان التمانع واشتهرت الحجة ببرهان التمانع وعدم الفرق في أصل الامتناع وانتفاء القرب إلى الإمكان والوقوع لا يوجب انتفاء أظهريته لامتناع ذلك عند العقل لكن يرد على القائل إنه بمجرّد كون استحالة التوافق أظهر عند العقل لا يظهر خلل في العبارة غايته أنه أولى . وقيل : إنّ الحجة المستفادة من الآية إقناعية والملازمة عادية لأنه يرد عليها أنه يجوز أن تتفق الآلهة على أن لا يريد كل منهما إلا ما لا يتعلق بأحد طرفيه إرادة شريكه أو وقع اتفاقهما على إيجاد المراد بالاشتراك لا بالاستقلال ، وقد ردّ بأنّ الحق أنها قطعية ولا يرد عليه ما ذكر لأنه لا يخلو من أنّ قدرة كل منهما كافية في حدوث العالم أولا وعلى الأوّل يلزم اجتماع علتين على معلول واحد وعلى الثاني يلزم العجز . لا يقال إنما يلزم العجز لو أراد الاستقلال ولم يحصل لكن يمكن أن يتفقا على الإيجاد بالاشتراك مع القدرة على الاستقلال كالقادرين على حمل خشبة بالانفراد فيحملانها معا . لأنا نقول تعلق إرادة كل واحد إن كان كافيا لزم المحذور الأوّل والإلزام الثاني والمنع مكابرة والمثال لا يصلح للسندية كما بينوه . وذكر التفتازاني أنه يمكن أن يراد بالفساد عدم التكوّن أي لو تعدّد الإله لم تكوّن السماء والأرض وينتقل إليه الكلام السابق سؤالا وجوابا . وللعلامة الدواني في تقريره كلام يطلب تفصيله من أهله وقرّر الدليل بعض أهل العصر بوجه . قال : إنه أوجه مما عداه وهو أنّ الإله المستحق للعبادة لا بدّ أن يكون واجب الوجود وواجب الوجود وجوده عين ذاته عند أرباب التحقيق إذ لو غايره لكان ممكنا ، وهو مبرهن في محله فلو تعدّد لزم أن لا يكون وجودا ، فلا تكون الأشياء موجودة لأنّ موجودية الأشياء بارتباطها بالوجود فظهر فساد السماء والأرض