تِلْكَ دَعْواهُمْ
فما زالوا يردّدون ذلك وإنما سماه دعوى لأنّ المولول كأنه يدعو الويل ويقول يا ويل تعال فهذا أوانك وكل من تلك ودعواهم يحتمل الاسمية والخبرية
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً
مثل الحصيد وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع
خامِدِينَ
ميتين من
شرح
المراد به التعجب . وقيل إنه على تقدير مضاف أي يا أهل ثأراتهم والطالبين لدمهم احضروا لتغيثونا . وقيل إنه نداء للقبيلة وأهل حضور للتوبيخ والتقريع والمراد بالأنبياء الجنس فإنه ثأر نبيّ واحد . قوله : ( يردّدون ذلك ) أي قولهم يا ويلنا والمولول اسم فاعل من الولولة وهي الصياح والويل ، وكان قياسه ويللة والدعوى هنا بمعنى الدعوة . قوله : ( يحتمل الاسمية والخبرية ) لزال لأنها من النواسخ . قال أبو حيان النحاة على أنّ اسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول فكما لا يجوز في الفاعل والمفعول التقدّم والتأخر إذا أوقع في اللبس لعدم ظهور إعرابه لا يجوز ذلك في باب كان ولم ينازع فيه إلا أحمد بن الحاج تلميذ الشلويين كما وقع للشيخين ( قلت ) ما ذكره ابن الحاج في كتاب المدخل إنه ليس فيه التباس وأنه من عدم الفرق بين الالتباس وهو أن يفهم منه خلاف المراد والإجمال ، وهو أن لا يتعين فيه أحد الجانبين ولأجل هذا جوّزه وما ذكره محل كلام وتدبر . وفي حواشي الفاضل البهلوان أنّ هذا في الفاعل والمفعول وفي المبتدأ والخبر إذا انتفى الإعراب والقرينة مسلم مصرّح به وأمّا في باب كان وأخواتها فغير مسلم . قوله : ( مثل الحصيد ) يشير إلى أنه تشبيه بليغ مقدّر فيه هذا المضاف الذي يطلق على الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل فلذا أفرد الحصيد لأنه ليس هو الخبر .
في الحقيقة يلزم مطابقته فأفراده دال على هذا التقدير كما قيل . ولا وجه له فإنه هو المحمول في التشبيه البليغ ويلزم مطابقته . فتقول الرجل أسد والرجال أسود بل المراد أنّ فعيلا بمعنى مفعول وهو يستوي فيه الواحد المذكر وغيره فلا حاجة لتأويله بالجنس ونحوه مما سمعته .
قوله : ( ميتين من خمدت النار ) إذ أطفئ لهبها ومنه خمدت الحمى إذا سكنت . وفي شرح المفتاح الشريفي أنّ في هذه الآية استعارتين بالكناية في لفظ واحد أعني لفظة هم في جعلناهم حيث شبهوا بالنبات والنار في الهلاك والزوال وأثبت لهم الحصاد المخصوص بالنبات وجاز أن يجعل حصيدا من باب التشبيه ، ففي الكشاف أي جعلناهم مثل الحصيد ، كما تقول جعلناهم رمادا أي مثل الرماد ولا يجوز ذلك في خامدين إذ ليس لنا قوم خامدون حتى يشبههم هؤلاء ، لكن جاز أن يجعلا من الاستعارة التصريحية التبعية في الصفة بأن يشبه هلاك القوم بحصاد النبت وخمود النار في القطع والاستئصال فقد ذهب المصنف تبعا للزمخشريّ إلى أنّ حصيدا تشبيه وخامدين استعارة كما في الكشف . وذهب الطيبي والفاضل اليمني إلى أنهما تشبيه وسيأتي ما فيه وذهب السكاكيّ إلى أنهما استعارة فإن قلت إذا كان الطرفان مذكورين هنا وذكرهما مخرج عن حدّ الاستعارة ضرورة فكيف جاز للسكاكي جعله استعارة على المذهب الراجح وإلا فلم ارتكبه الشيخان . وما الفرق بين الحصيد أو خامدين هنا . قلت الذاهب إلى الاستعارة يجعل الطرف القوم المهلكين لا مدلول الضمير ، وذكر ما يساوي أحد الطرفين أو