أن يكون الكل من اللّه تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد لأنّ كونه شعرا أبعد من كونه مفتري لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء وهو من كونه أحلاما لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف الأحلام ولأنهم جرّبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نيفا وأربعين سنة وما سمعوا منه كذبا قط . وهو أبعد من كونه سحرا لأنه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
أي كما أرسل به الأوّلون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى وصحة التشبيه من حيث إنّ
شرح
قيل أعذبه أكذبه . قوله : ( ويجوز أن يكون الكل من اللّه ) أي يجوز أن يكون الإضراب كله في المحال الثلاثة من اللّه على طريق الترقي من الفاسد إلى الأفسد ثم الأفسد وقوله : تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد أي إنزالا لكل منها في درجته من الفساد ولم يقل ترقيا مع أنه الظاهر إشارة إلى أنّ الترقي في القبح تنزل في الحقيقة . وقوله : لأنّ كونه الخ تعليل للترقي الذي دلّ عليه ما قبله وقوله لأنه الخ تعليل لكونه أبعد . وقوله : ليس الخ فبينه وبينه بون بعيد وهذا شأن الشعر الغالب عليه لأنه في الأكثر أمر متخيل لا حقيقة له ، ولذا يستعمل الشاعر بمعنى الكاذب وقال تعالى :وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ[ سورة يس ، الآية : 69 ] الخ وأمّا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم إنّ من الشعر لحكمة فلا ينافيه كما توهم لأنه باعتبار ما يندر كما يشهد له التأكيد بأنّ الدالة على التردّد فيه ومن التبعيضية . وضمير وهو راجع لكونه مفتري ومن كونه متعلق بأبعد مقدّر ولأنه تعليل له وقوله : ولأنهم الخ عطف على قوله لأنه مشتمل وهو يتضمن نفي كونه شعرا أيضا والنيف بتشديد الياء وتخفيفها الزيادة ، وهذا مقدار ما قبل ظهور نبوّته واعلم أنّ هذا الكلام فيه غموض ولذا قال الأستاذ خضر شاه إنّ المصنف رحمه اللّه يعني أنهم أضربوا والإضراب في كلامهم حكاه اللّه عنهم كما في الكشاف . وفيه إشكال لأنه إنما يصح هذا لو كان قالوا مقدّما على بل فيفيد حكاية إضرابهم ، وأمّا مع تقديم بل على قالوا فلا ولذا قال المصنف والظاهر والقول بالقلب وأصله قالوا بل بعيد وإن ذهب إليه الطيبي فتأمّل . قوله : ( لأنه يجانسه ) أمّا كون القرآن من الخوارق فباعتبار إعجازه وأخباره عن المغيبات وصدوره من الأميّ وأمّا كون السحر خارقا فباعتبار الظاهر فلا ينافي كونه تمويها أو لأسباب خفية كما قيل . قوله : ( كما أرسل به الأوّلون ) الظاهر أنه إشارة إلى أنّ ما موصولة لذكر العائد ، وهو به وأن الموصول للعهد والمراد به ما ذكر من الآيات وأنّ العدول عن الظاهر وهو فليأتنا بما أتى به الأوّلون أو بمثل ما أتى به الأوّلون لأنّ هذا يدلّ على ما دلّ عليه مع زيادة كونه مرسلا به من اللّه لا إتيانه من نفسه والتعبير في حقه بالإتيان والعدول عن الظاهر فيما بعده إيماء إلى أنّ ما أتى به من عنده وما أتى به الأوّلون من اللّه ، ففيه تعريض مناسب لما قبله من الافتراء وسيأتي بيانه فأقبل إنه إيماء إلى وجه العدول عن أن يقول كما أتى به الأوّلون فإنّ مرادهم اقتراح آية مثل آية موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام لا غيرهما لا وجه له . قوله : ( وصحة التشبيه الخ ) ترك قوله في الكشاف ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول أرسل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبين قولك أتى محمد بالمعجزة لما أورد عليه