تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
بالأمس
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما
وادع اللّه تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأنّ من الرحمة أن يهديهما ؛
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
رحمة مثل رحمتهما عليّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين روي أنّ رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ أبويّ بلغا من الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما قال لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ
من قصد البرّ إليهما واعتقاد ما يجب لهما من التوقير وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
قاصدين للصلاح
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ
للتوّابين
غَفُوراً
ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير وفيه تشديد
شرح
الضراعة والمسكنة فيرحم أشدّ رحمة كما قلت :يا من أتى يسأل عن فاقتي * ما حال من يسأل من سائله . . .ما ذلة السلطان إلا إذا * أصبح محتاجا إلى عامله . . .قوله : ( وادع اللّه تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ) الخطاب للولد ، ورحمته الفانية هي ما تضمنها الأمر والنهي السالفان ، والرحمة الباقية هي رحمة الآخرة وخصها لأنها الأعظم المناسب طلبه من العظيم ولأنّ رحمة الدنيا حاصلة عموما لكل أحد ، ولا تكتف نهي معطوف على الأمر قبله وهذه الرحمة التي في الدعاء قيل إنها مخصوصة بالأبوين المسلمين ، وقيل عامة منسوخة بآية النهي عن الاستغفار ، والمصنف رحمه اللّه ذهب إلى أنها عامة غير منسوخة لأنّ تلك الآية بعد الموت وهذه قبله ومن رحمة اللّه لهما أن يهديهما للإيمان فالدعاء بها مستلزم للدعاء به ولا ضير فيه ، فيجوز الدعاء لهما بالرحمة على هذا الوجه فإن كان المراد رحمة الدنيا فهي دعاء بالزيادة . قوله : ( رحمة مثل رحمتهما ) فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما ذهب إليه بعضهم لأنه مخالف لمعناها المشهور مع أنّ هذا يفيد ما أفاده التعليل ، كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه والجار والمجرور صفة مصدر مقدّر أي رحمة مثل رحمتهما لي في صغري ، وقال الطيبي رحمه اللّه : إنّ الكاف لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها ، كقوله : مثل ما أنكم تنطقون قال في الكشف وهو وجه حسن ، وأمّا الحمل على أنّ ما المصدرية حينية والمعنى ارحمهما وقت أحوج ما يكون إلى الرحمة ، كوقت رحمتهما لي وأنا لحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة والرحمة الجنة لأنها الرحمة الباقية فتعسف لا يساعده اللفظ والمعنى ، وقوله وفاء بوعدك إشارة إلى ما ورد من نحو الراحمون يرحمهم الرحمن وغيره ، وقوله روي تبع فيه الزمخشري وقال ابن حجر رحمه اللّه : إنه لا يوجد في كتب الحديث ، وقوله : فهل قضيتهما أي حقهما كما صرّح به في الكشاف ، وفي إيراده إشارة إلى فائدة طلب الرحمة لهما من اللّه فإنه لا يفي بحقهما وإنما يوفيه اللّه عنه وهو أيضا توطئة لما بعده وفيه تهديد ووعيد لمن خالفه في ذلك ، والظاهر أنه وعد لمن أضمر البرّ ووعيد لغيره . قوله : ( قاصدين للصلاح ) أي بما صدر في حقهما أي مع صدوره حال البادرة والحدة فلذا
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 41 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي