للشمال يدا وللقرّة زماما وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل ، وقرىء الذل بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول
مِنَ الرَّحْمَةِ
من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق اللّه تعالى إليهما
شرح
الشمال برجل قائد والقرة بناقة منقادة وتخييليتان في الزمام واليد وقوله : وأمره بصيغة الفعل معطوف على جعل ومبالغة مفعول له أو اسم مرفوع خبره مبالغة ووجه المبالغة ما فيه من الترشيح لأنه أبلغ من التجريد لا الإيجاب لأنه يفهم من تواضع وتذلل أيضا . قوله : ( أو أراد جناحه ) ففيه استعارة تصريحية تحقيقية مرشحة أو تمثيلية ويحتمل المكنية أيضا على بعد ، ووقع في بعض النسخ بالواو بدل أو وهو من سهو الناسخ ، والجناح الجانب كما يقال :
جناحا العسكر وخفضه مجاز كما يقال : لين الجانب ومنخفض الجانب ، وقوله : للبيان لأنه صفة مبينة لأن المراد من خفض الجناح التذلل والمبالغة لأنه وصف بالمصدر كما مرّ تحقيقه والكلام عليه فكأنه جعل الجناح بمنزلة عين الذل وأمّا أنه يفيد أنه خلق منه كما قيل فلا وجه له ، وتحقيقه في الكشف أن فيه وجهين وجناح الذل في الوجه الأوّل بل خفض الجناح تمثيل في التواضع كما أشار إليه في سورة الشعراء وجاز أن يكون استعارة في المفرد ، وهو الجناح ويكون الخفض ترشيحا تبعيا أو مستقلا كما مرّ في قوله واعتصموا بحبل اللّه ولما كان الأوّل أبلغ وأظهر اكتفى به في الشعراء ، وفي الوجه الثاني استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناح للذل ثم المجموع كما هو مثل في غاية التواضع ، ولما أثبت لذله جناحا أمره بخفضه تكميلا ، وما عسى أن يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحا فالأمر برفع ذلك الجناح أبلغ في تقوية الذل من الأمر بخفضه لأنّ كمال الطائر عند رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلا لأنّ الغرض تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس وأمّا على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناح المخفوض للذل بدل على التواضع وأمّا جعل الجناح وحده فليس بشيء ولهذا جعل تكميلا والأوّل أبلغ وأوفق بنظره في القرآن فافهم فإنه من بدائعه والذل بالكسر في الدوابّ ومعناه سهولة الانقياد وبالضم في الإنسان ضدّ العز والنعت منه ذليل ومن الأوّل ذلول . قوله : ( من فرط رحمتك الخ ) قال في الكشف : إنّ هذا إشارة إلى أنّ من ابتدائية على سبيل التعليل ولا تحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا لرجعت الاستعارة إلى التشبيه إذ جناح الذل ليس من الرحمة أبدا بل خفض جناح الذل جائز أن يقال إنه رحمة وهذا بين ا ه . يعني أنه لو كان بيانا لكان على سبيل التجريد وهو من أقسام التشبيه وهم قد صرحوا بأنه استعارة ، ثم إنه بعد التنزل لا مجال له هنا فتدبر ، وفرط الرحمة زيادتها والمبالغة فيها وهو مأخوذ من جعل جنس الرحمة مبدأ للتذلل فإنه لا ينشأ إلا عن رحمة تامّة لا من كون التعريف للاستغراق كما قيل . قوله : ( لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق اللّه تعالى إليهما ) تعليل لاحتياجهما إلى أشدّ الرحمة لأنّ احتياج المرء إلى من كان محتاجا له غاية