وقرئ يحشر المجرمون
زُرْقاً
زرق العيون وصفوا بذلك لأنّ الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب لأنّ الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العين ولذلك قالوا في صفة العدوّ أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين أو عميا فإنّ حدقه الأعمى تزراق
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ
يخفضون أصواتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول والخفت خفض الصوت وإخفاؤه
إِنْ
ما
لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
أي في الدنيا يستقصرون مدّة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدّة الآخرة أو لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد وعلموا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطار واتباع الشهوات أو في القبر لقوله ويوم تقوم الساعة إلى آخر الآيات
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ
وهو مدّة لبثهم
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً
أعدلم رأيا أو عملا
شرح
بسكون الواو وجوّز فيها أن تكون بمعنى القرن الذي ينفخ فيه وهو المشهور ، وأورد على كونه جمع صورة أنّ النفخ يتكرر لقوله : ثم نفخ فيه أخرى والنفخ في الصورة إحياء والإحياء غير متكرّر بعد الموت وما في القبر ليس بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق والجواب أنّ من يقرأ به ، ويفسره به لا يجعل الثانية مثل الأولى في الإحياء ولا يلزم أن يجعلها في كل موضع بمعنى واحد فتأمّل .
قوله : ( زرق العيون ) فهو وصف للشيء بصفة جزئه كما يقال غلام أكحل وأحور والكحل والحور صفة العين والظاهر أنه مجاز وأسوأ بمعنى أقبح ، وقوله : لأنّ الخ علة لكونها أبغض ، وأعدى بمعنى أشدّ عداوة فأزرق مجاز عن كونه قبيحا مكروها لأنه لازم له عندهم ولذا يقال :
العدوّ الأزرق وعلى الثاني هو كناية عن العمي لأنّ الزرقة من لوازمه ، والكبد بالباء الموحدة عضو باطني معروف وهم يتوهمون أنّ الحقد والعداوة في الكبد ولذا قالوا للأعداء سود الأكباد كما ذكره أهل اللغة ، ومن ضبطه الكتد بالمثناة الفوقية وهو مجمع الكتفين فقدسها وأصهب من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر ، والسبال بكسر السين المهملة جمع سبلة والمراد بها هنا اللحية أو ما استرسل منها ومن الشارب ، وتزراق بتشديد القاف مضارع إزراق كاد لهامّ بمعنى تشتدّ زرقتها ، وقوله : لما يملأ الخ أي أو لضعفهم والخفت قريب من الخفض لفظا ومعنى . قوله تعالى : (إِنْ لَبِثْتُمْالخ ) بتقدير حال أي قائلين إن الخ ، وقوله : أي في الدنيا بيان لمرادهم بالعشر ويستقصرون بمعنى يعدّونها قصيرة قليلة إمّا لتقضيها كما قاله ابن المعتز كفى بالانتهاء قصرا أو بالنسبة للآخرة أو للتأسف أي الحزن على سرعة تقضيها قبل علمهم بما صاروا إليه وتداركهم لما نالهم فيه كما في قولك : ليت الزمان امتدّ حتى يكون كذا وكذا وهو معنى قوله : وعلموا الخ فلا وجه لما قيل إنه لا مدخل له في استقصار مدّة لبثهم في الدنيا وما في الكشاف من استقصار أيام السرور أظهر منه . قوله : ( أو في القبر لقوله تعالى :وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ *إلى آخر الآيات ) معطوف على قوله في الدنيا الخ وظاهره أنّ هذه الآية تعين أنّ المراد اللبث في القبور ولذا استدلّ بها تبعا للزمخشريّ ، وأوردوا عليه أنه غير متعين كهذه الآية وقد ذكر الحسن في تفسيرها أنّ المراد لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء