الصلاة والسّلام جاءك على فرس الحياة . وقيل إنما عرفه لأنّ أمّه ألقته حين ولدته ، خوفا من فرعون ، وكان جبريل يغذوه حتى استقلّ
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
من تربة موطئه ، والقبضة المرّة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير وقرئ بالصاد والأوّل للأخذ بجميع الكف ، والثاني للأخذ بأطراف الأصابع ، ونحوهما الخضم ، والقضم والرسول جبريل عليه الصلاة والسّلام ، ولعله لم يسمه لأنه لم يعرف أنه جبريل أو أراد أن ينبه على الوقت ، وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور
فَنَبَذْتُها
في الحلي المذاب ، أو في جوف العجل ، حتى حيى
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
زينته وحسنته لي
شرح
شيئا إلا أحياه ، وكون الفرس فرس الحياة ، تحيي آثارها ، مما لا يدرك بالبحث ، فإن كان تمويها منه وتدليسا في الحجة فظاهر فلا يقال إنه بعيد لأنه لو كان كذلك لكان الأثر نفسه أولى بالحياة ، ألا ترى الإكسير يجعل ما يلقى عليه ذهبا ، ولا يكون هو بنفسه ذهبا ، مع أنه قال إنه لم أنها فرس الحياة لأنه رأى ما وطئته من التراب يخضر ، أو سمعه من موسى عليه الصلاة والسّلام فتدبر . قوله : ( جاءك على فرس الحياة ) لما أتاه ليذهب للميعاد ، وقوله : وقيل إنما عرفه الخ الظاهر أنّ المراد إنما عرفه السامري لما ذكر ، لا موسى عليه الصلاة والسّلام ، فإنه لا يناسب السياق ولا بعد فيه ، فإنّ بعض أرباب الحواشي ، ذكر أنّ جبريل عليه الصلاة والسّلام كان يفعل ذلك بأولاد بني إسرائيل في زمان قتل فرعون لهم ، ولا بعد فيه لكن الكلام في صحته ، ولذا مرضه المصنف رحمه اللّه ، وقوله : يغذوه أي يأتيه بغذائه وطعامه حتى استقل ، أي تمّ مدّة رضاعه واستغنى عن الرضاع . قوله : ( من تربة موطئة ) إشارة إلى أنه لا حاجة إلى تقدير مضاف ، أي من أثر فرس الرسول لأنّ أثر فرسه أثره . وقيل إنّ المراد وطئة بنفسه وأنه المناسب للتفسير الأوّل في قوله : بصرت وعلى الثاني فيه مضاف مقدّر ، وهو فرس ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه به وإليه ذهب كثير من المفسرين وموطئه مصدر أي وطئه .
قوله : ( والقبضة المرّة من القبض فأطلق على المقبوض ) في الدر المصون النحاة يقولون إنّ المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء ويقولون هذه حلة نسج اليمن لا نسيجة اليمن ويعترضون بهذه الآية ثم يجيبون بأنّ الممنوع إنما هو التاء الدالة على التحديد ، لا على مجرّد التأنيث ، وهذه لمجرّد التأنيث ، وكذلك قوله :وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ[ سورة الزمر ، الآية : 67 ] وفيه نظر لأنّ لفظ المرّة فيه بعض نبوة عنه فتأمّل . قوله : ( والأوّل للأخذ بجميع الكف الخ ) يعني أنه مما غير لفظه لمناسبة معناه فإنّ الضاد المعجمة لتفشيها واستطالة مخرجها جعلت فيما يدلّ على الأكثر وهو القبص ، بكل الكف والصاد المهملة لضيق محلها ، وخفائه جعلت للقليل المأخوذ بأطراف الأصابع ، وكذا الخضم وهو الأكل بجميع الفم ، والقضم بأطراف الأسنان ، وهذا مراد من قال إن دلالة الألفاظ طبيعية ، وقد تقدّم تفصيله . قوله : ( لم يعرف أنه جبريل ) عليه الصلاة والسّلام وإن عرف أنه ملك فلا ينافي أخذه أثر فرسه ، وقوله : على الوقت أي تعين زمان قبضه وهو وقت إرساله له لما ذكر لا بعده ، ونبذتها أي ألقيتها ، وقوله في الحلي المذاب ، أي قبل