استعطافا وترقيقا وقيل لأنه كان أخاه من الأمّ ، والجمهور على أنهما كانا من أب وأمّ
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
أي بشعر رأسي قبض عليهما يجرّه إليه من شدّة غيظه وفرط غضبه للّه ، وكان عليه الصلاة والسّلام حديدا خشنا متصلبا في كل شيء فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
حين قلت أخلفني في قومي وأصلح فإنّ الإصلاح كان في حفظ الدهماء ، والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم فتدارك الأمر برأيك
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ
أي ثم أقبل عليه وقال له منكرا ما خطبك أي ما طلبك له وما الذي حملك عليه وهو مصدر خطب الشيء إذا طلبه
قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
وقرأ حمزة والكسائيّ بالتاء على الخطاب أي علمت بما لم تعلموه ، وفطنت لما لم تفطنوا له ، وهو أنّ الرسول الذي جاءك روحانيّ محض ، لا يمس أثره شيئا إلا أحياه أو رأيت ما لم تروه ، وهو أنّ جبريل عليه
شرح
وجهه أنّ الأمّ أشفق وأرق قلبا فنسبته إليها تذكير بالرقة البشرية ولذا قالت العرب : ويلمه دون أبيه فإذا أرادوا المدح قالوا للّه درّ أبيه . وقوله : بشعر الخ أصل وضع اللحية والرأس للعضوين النابت عليهما الشعر ، ويطلق على شعرهما للمجاورة ، وهو شائع في الأوّل والأخذ أنسب بالثاني ، فلذا قدر شعر . قوله : ( من شدّة غيظه الخ ) لما كان غضوبا ، وغضب للّه لاعتقاده تقصيرا في هارون يستحق به التأديب ، عنده فعل به ما فعل ، وباشر ذلك بنفسه ولا محذور فيه أصلا ولا مخالفة للشرع ، حتى يرد ما توهمه الإمام ، فقال : لا يخلو الغضب من أن يزيل عقله ، أولا والأوّل لا ينبغي اعتقاده ، والثاني لا يزيل السؤال ، وأجاب بما لا طائل تحته ، وقوله : ببعض أي مع بعض منهم ، ولم ترقب بمعنى لم تراع والدهماء بالدال المهملة الجماعة الكثيرة وضمن المداراة بمعنى الرفق ، ولذا قال بهم ، وقوله : فتدارك بالنصب في حذف إحدى التاءين وأصله فتتدارك . قوله : ( ما طلبك له وما الذي حملك عليه ) هذا أصل معنى الخطب ، ثم شاع في معنى الشأن ، والأمر العظيم لأنه يطلب ويرغب فيه ، والاستفهام هنا عن السبب الباعث لما صدر عنه على وجه الإنكار البليغ ، حيث لم يسأله عما صدر منه ، ولا عن سببه بل عن سبب طلبه ، ولذا لم يفسره بالشأن وإن كان هو المشهور ، وما يكون سؤالا عن السبب ، كما مرّ في قوله :ما أَعْجَلَكَفلا وجه لما قيل إنّ قوله : ما حملك عطف تفسيري للإشارة إلى تقدير مضاف ، أي ما سبب خطبك ومن لم يتنبه له قال ما قال . وقوله : بالتاء أي في يبصروا وهو إمّا على التغليب ، أو على أنّ الخطاب لموسى عليه الصلاة والسّلام تعظيما له وهذا منقول عن قدماء النحاة . وقد صرّح به الثعالبي في سر العربية فما ذكره الرضي من أنّ التعظيم إنما يكون في ضمير المتكلم مع الغير كفعلنا مخالف له فلا يلتفت إليه وإن اتبعه فيه كثير منهم . قوله : ( علمت ) إشارة إلى أن بصر بمعنى علم وأبصر ، بمعنى نظر ورأى ، وقيل إنهما بمعنى ، وقوله : روحاني ، أي ملك ، وقوله محض أي ليس بجنيّ ، وقوله : لا يمس أثره