تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
سُجَّداً
أي فألقى فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر ، وإنما هو من آيات اللّه ومعجزة من معجزاته فألقاهم ذلك على وجوههم سجد اللّه توبة عما صنعوا ، وأعتابا وتعظيما لما رأوا
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
قدّم هارون لكبر سنه أو لرويّ الآية أو لأنّ فرعون ربى موسى في صغره فلو اقتصر على موسى أو قدّم ذكره لربما توهم أنّ المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع . روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ
أي لموسى واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع ، وقرأ قنبل وحفص آمنتم له على الخبر والباقون على الاستفهام
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
في الإيمان له
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به أو لأستاذكم
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
وأنتم توطأتم على ما فعلتم
فَلَأُقَطِّعَنَّ
شرح
مكان أريد به التعميم لا التعيين ، وقوله : إنه أي ما صنعه أو التلقف ؛ وقوله : فألقاهم ذلك على وجوههم فيه إشارة إلى أن تكرير لفظ الإلقاء والعدول عن فسجدوا فيه مع المشاكلة والتناسب إنهم لم يتمالكوا حتى وقعوا سجدا ونسب الإلقاء إلى ذلك وهو التلقف وما صدر منه إسناد مجازي والفاعل الحقيقي هو اللّه ، وتوبة مفعول له لسجد أو إعتابا أي رجوعا عما يعتب فيه من قولهم : أعتبه إذا أزال عتبه والهمزة للسلب كما في المصباح . قوله : ( قدم هارون لكبر سنه الخ ) لما قدم موسى في الأعراف وهو الظاهر لأنه أشرف من هارون والدعوة والرسالة إنما هي له فتقديمه على الأصل لا يحتاج لنكته وإنما المحتاج إليه تأخيره كما هنا فلذا أشار إليه بما ذكره ، وهذه النكتة إنما هي في الحكاية لا في المحكي حتى يحتاج إلى أن يقال إنه كلام فريقين من السحرة أو أنه حكى في أحد الموضعين بالمعنى ليدافع التعارض فتقديمه لكبر سنه أو لرعاية الفاصلة ، أو لأنه لو قدّم موسى ربما توهم أن المراد بربه من رباه وذكر هارون بطريق التبعية ، وأورد على الأخير أن المقام لا يتحمله لأن سجودهم تعظيما يأباه ، وتقديمه ثمة يدل على أنه ليس في الترتيب نكتة لا سيما والوا ولا تقتضي ترتيبا وليس بشيء لأن التوهم لا يلزم أن يكون منهم بل من غيرهم ، والمعظم غير معين عندهم ، وتقديمه ثمة على الأصل فلا يحتاج لوجه وكون الوا ولا تفيد الترتيب لا يستلزم أنه ليس لتقديمه نكتة إذ مثل الكلام المعجز لا يعدل فيه عن الأصل لغير داع وقد ذكر هذا القائل في سورة الأعراف ما يعارض ما ذكره هنا وما وقع في شرح المفتاح من أن موسى عليه الصلاة والسّلام أكبر من هارون سهو ، ورؤية منازلهم في الجنة بطريق الكشف بعد رفع غطاء الكفر مرويّ عن عكرمة رحمه اللّه . قوله : ( أي لموسى ) عليه الصلاة والسّلام لما كان الإيمان في الأصل متعدّيا بنفسه ثم شاع تعديته بالباء لما فيه من معنى التصديق حتى صار حقيقة أوّل تعديته باللام بتضمينه معنى الانقياد لأنه يقال انقاد له لا التسليم لأنه بمعنى الإيصال وأمّا الذي بمعنى الانقياد فالمعروف فيه أسلم نحو أسلم أمره للّه وسلم لغة قليلة ، كما في المصباح مع ما فيه من كثرة الحذف وأمّا ما ذكره فغير ظاهر لأن الاتباع متعدّ بنفسه يقال : اتبعته ولا يقال اتبعت له ، وهذا إذا لم تكن اللام تعليلية فإنه حينئذ يكون على أصله والتقدير والذي آمن باللّه لأجل موسى عليه الصلاة والسّلام