أَلْقُوا
مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأوّل في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفدوا أقصى وسعهم ثم يظهر اللّه سلطانه ، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
أي فألقوا فإذا حبالهم وهي للمفاجأة ، والتحقيق أنها ظرفية تستدعي متعلقا ينصبها وجملة تضاف إليها لكنها خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة والجملة ابتدائية والمعنى فألقوا ففاجأ موسى عليه الصلاة والسّلام وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم
شرح
مبتدأ خبره محذوف أي إلقاؤك أوّل بقرينة قوله : وأمّا أن نكون أوّل من ألقى وبه تتم المقابلة ، ولذا قدّر في قوله الأمر إلقاؤك أوّلا أو إلقاؤنا مبتدئين . قوله : ( مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم ) أي لما تأدّبوا معه كما مرّ عاملهم بمقتضاه ، وهو تقديم فعلهم فليس وعيدا على لسحر كما قيل ، كما تقول للعبد العاصي افعل ما أردت وليس فيه تجويز السحر المنهيّ عنه ولا الأمر به بل هو كالأمر بذكر الشبهة لتكشف ، وتقديم الباطل ليقذف بالحق عليه فيدمغه بتسليط المعجزة على السحر لتمحقه كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه ، وفي قوله : عدم مبالاة بسحرهم ردّ لما قيل إنّ تقديم إسماع الشبهة على الحجة غير جائز لجواز أن لا يتفرّغ لإدراك الحجة بعد ذاك ، فتبقى ولا حاجة إلى القول بتقدير شرط وهو ألقوا إن كنتم محقين لأنه يعلم عدم إحقاقهم فيه فلا يجدي التقدير بدون ملاحظة غيره . قوله : ( وإسعافا ) أي مساعدة على ما أوهموا أي أتوا بكلام فيه إيهام به واحتمال له دون الجزم ببدئهم ، وقوله : بذكر متعلق بأوهموا وهو ظاهر ، وتغيير النظم إلى وجه أبلغ في شقهم حيث لم يقولوا ، وأمّا أن نلقى أوّلا إذ أتى بكان الدالة على كون مطلق ، ثم كون مخصوص يفيده الخبر كما بينه الرضي وجعلوا المفضل عليه من الموصولة بماض ليفيد التحقق وعموم تقدّمهم على كل من يتأتى منه الإلقاء سواء هو أو غيره . قوله : ( ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفدوا الخ ) وجه آخر للجواب عن الأمر مآله أنّ الأمر في الحقيقة بإزالته لا بإثباته ؛ ويستنفدوا بالدال المهملة أي يستوفوه حتى ينفد ويفنى ، وأمّا النفاذ بالذال المعجمة فهو من نفذ السهم الرمية إذا خرقها وليس بمناسب هنا . قوله : ( فألقوا ) إشارة إلى أنّ الفاء عاطفة على مقدّر علم مما تقدّم وإذا الفجائية تدلّ بواسطة نيابتها في الدلالة عن الفعل المقدّر على وقوع ما بعدها بغتة ، وقوله : والتحقيق أنها ظرفية أي منصوبة على الظرفية الزمانية لا المكانية كما ذهب إليه بعض النحاة ، وظاهره أنها الآن ظرفية وإليه ذهب بعض النحاة ، وقيل إنها كانت كذلك ثم جعلت مفعولا به لفاجأ فما ذكر باعتبار أصلها ، وقوله : خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة ولذا أضيفت لها وسميت فجائية ، وقوله :
والجملة ابتدائية أي اسمية من مبتدأ وخبر ، وهذا هو المشهور ، وقيل إنه في الأكثر فيجوز إضافتها لفعلية مصّرة بقد لمشابهتها الاسمية في دخول واو الحال عليها . قوله : ( والجملة ابتدائية ) ليس فيه حصر حتى يرد عليه قول أبي حيان أنه يليها الجملة الفعلية المصحوبة بقد كما أورده عليه بعضهم . قوله : ( ففاجأ موسى عليه الصلاة والسّلام وقت تخييل سعي حبالهم ) إيقاع