بالكتبة ، ويؤيده
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
والضلال أن تخطىء الشيء في مكانه فلم تهتد إليه ، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك ، وهما محالان على العامل بالذات ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة اللّه تعالى بالأشياء كلها وتخصيصه أبعاضها بالصور والخواص المختلفة بأنّ ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها ، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدّتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم وبأجزائهم أحوالهم فيكون معنى الجواب أنّ علمه تعالى محيط بذلك كله ، وأنه مثبت عنده لا يضلّ ولا ينسى
شرح
اللوح المحفوظ ) مرفوع تفسير لقوله في كتاب على أنه خبر بعد خبر والمثبت فيه وإن كان النقوش الدالة على الألفاظ الدالة على المعاني بمنزلة إثبات المعاني ولا حاجة إلى جعله حالا من الضمير المستتر في قوله : عند ربي لإيهامه أنّ علمه تعالى بها مخصوص بتلك الحال أو ناشئ منه . قوله : ( ويجوز أن يكون تمثيلا ) فيشبه علمه تعالى بتفاصيل الأمور علما ثابتا لا يتغير بمن علم شيئا علما متقنا وكتبه في جريدته حتى لا يذهب أصلا فيكون قوله لا يضلّ ربي ولا ينسى ترشيحا للتمثيل واحتراسا أيضا لأنّ من يفعل ذلك إنما يفعله لخوف النسيان ، واللّه تعالى منزه عنه وإنما تثبت معلوماته في اللوح المحفوظ ليطلع عليها الملائكة فتعلم أنّ ما فيه معمول معلوم له فالكتاب على هذا بمعناه اللغوي وهو الدفتر لا اللوح المحفوظ فسقط ما قيل إنه إنما يستحسن هذا إذا لم يوجد اللوح فلا مجال للاستعارة أصلا . قوله : ( ويؤيده لا يضلّ ربي الخ ) وجه التأييد ما عرفت من أنه ترشيح مناسب للمستعار منه ، وأيضا عدم الضلال والنسيان يناسب إتقان العلم لا كتابته فإنّ من يكتب قد يغيب عنه كتابه وينسى ما فيه ، وقيل : وجه التأييد أنّ قوله : لا يضلّ الخ تذييل لتأكيد الجملة السابقة وعلى الأوّل هو تكميل لدفع ما يتوهم من أنّ إثباتها في اللوح لاحتياجه إليه لاحتمال خطا أو نسيان تعالى عنه فلا وجه لما قيل إنّ المصنف رحمه اللّه لم يتنبه لما قاله فحمله على التمثيل وإنما يظهر عدم تنبيهه لو اقتصر على احتمال التمثيل وليس كذلك ولا تأييد فيما ذكره أصلا كيف وهو على الأوّل تأسيس وعلى هذا تأكيد كما اعترف به والتأسيس أولى ، نعم ما ذكره من الاعتراض ساقط كما عرفت ، وقوله : والضلال الخ محصله فقد الشيء وعدم معرفة مكانه وهو حاضر في الذهن ، والنسيان أن يغيب عن الذهن وإن كان يعلم مكانه وأن تذهب وقع في نسخة وأن تذهب بدله ، وقوله : على العالم بالذات أي على من علمه صفة ذاتية لا صورة عارضة قد يذهل عنها وليس المراد أنّ علمه عين ذاته كما هو مذهب المعتزلة . قوله : ( ويجوز أن يكون سؤاله الخ ) لما قال أوّلا ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عطف عليه وجها آخر يغايره بكونه دخلا والفاء في محلها أيضا لتعلقه بجواب موسى عليه الصلاة والسّلام وإحاطة القدرة من قوله : أعطى كل شيء كما مرّ ، وتخصيصه معطوف على الأشياء وهو مبنيّ على التفسير الأوّل ، وقوله : بأنّ ذلك متعلق بقوله دخلا ، واستدعاؤه للعلم ظاهر وتمادى المدّة تباعدها ، وتباعد أطرافهم بمعنى كثرتهم ، وقوله :
لا يضلّ أي عنه ولا ينساه ، ويصح قراءة ينسى مجهولا وهذا ما في الكشاف بعينه إلا أنه أسقط