فَأَخْرَجْنا بِهِ
عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام اللّه تعالى تنبيها
شرح
منافعها ) إشارة إلى وجه ذكرها على سبيل الامتنان ولذا كرّر ذكر لكم الدال على الانتفاع المخصوص بالإنسان بخلافه في الأوّل فإنه ذكر لبيان أنّ المقصود بالذات منها الإنسان وبه يظهر بلاغة ذكر المهد هنا . قوله تعالى : (فَأَخْرَجْنا بِهِ) قال بعض المفسرين : إنزاله تعالى وإخراجه عبارتان من إرادته النزول والخروج لاستحالة مزاولة العمل في شأنه والفاء للتعقيب ، فإنّ ثانية الإرادتين لا تتراخى عن الأولى وإن تراخى ثاني المرادين ، وإنما قلنا إنها للتعقيب لأنّ معنى السببية علم من بائها ، وقيل عليه إنّ الإنزال والإخراج عبارتان عن صفة التكوين عند الحنفية وهو منهم ولا يلزمه المزاولة كما قال مع أنّ تعقيب الإرادة الأولى للثانية ممنوع إن أريد بها الصفة الأزلية فإنه لا يعقل ذلك في الأزليات وإن أريد تعلقها التجدّدي فهو متراخ بحسب تراخي المرادين فالقول بالسببية والتأكيد أهون ، ويمكن أن يحمل على التأسيس بأن يشبه التراخي بالتعقيب في أنه ترتب لا محالة وبعبر عنه بلفظه ( أقول ) لا خلاف بين الماتريدية والأشعرية في إثبات صفة قديمة هي مبدأ صفات الأفعال وإنما الخلاف في أنها عين القدرة كما ادّعت الأشاعرة أو صفة أخرى مغايرة لغيرها من الصفات كما ذهب إليه الحنفية وعلى كل حال فالمقصود هنا الاستدلال عليه بأفعاله تعالى الواقعة في الخارج لا بالصفات الذاتية لأنه لا يعرف اللّه حتى يعترف بصفاته فلما لم يصح إرادة ذلك كما لا تصح إرادة المزاولة لأنه تعالى إنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له : كن فيكون كان إسناد ذلك على معنى أنه تعلقت إرادته بإيجاده ، وأمّا قوله : لا تعقيب بين الإرادتين فليس كذلك لأنّ لها تعلقات تعلقا أزليا بمعنى أنه أراد وقوعه في زمانه ولا تعقيب بين إرادة وإرادة فيه ، وتعلقا قبيل وقوعه بتهيئة أسبابه العادية كالمطر للنبات وبينهما تعقيب كما قيل إذا أراد اللّه شيئا هيأ أسبابه ولذا تطلق الإرادة على قرب الوقوع كقوله :
جدارا يريد أن ينقض ، وتعلقا تنجيزيا مع أنّ قوله : وإن تراخى ثاني المرادين غير مسلم لأنه تعقيب عرفي إذ ايجاد النبات على أشكال لطيفة في مثل هذه المدّة يعد تعقيبا كما ذكروه على أنّ بين الإرادتين باعتبار المرادين تعقيبا رتيبا مثل ضربته فانكسر ولك أن تقول إن الفاء لسببية الإرادة عن الإنزال والباء لسببية النبات عن الماء فلا تكرار كما في قوله تعالى :لِنُحْيِيَ بِهِولعل هذا أقرب . قوله : ( عدل به الخ ) عدل فعل مجهول وليس معلوما والضمير لموسى عليه الصلاة والسّلام كما قيل وإنما عبر به لأنه يحتمل أن يكون من كلام موسى ومن كلام اللّه كما مرّ تحقيقه ولم يذكر أنّ فيه التفاتا وافتنانا لأنّ فيه تردّدا فقيل إنه ليس بالتفات لأن الالتفات يكون في كلام متكلم واحد ، وقيل إنه التفات ، وفي الكشف وجه الالتفات أنّ المصنف رحمه اللّه حمله على أنّ موسى عليه الصلاة والسّلام حاك قوله تعالى : كما هو والدليل عليه قوله : الذي جعل لكم دون لنا وحكاه اللّه لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم على ما حكاه موسى ، وأمّا أن اللّه تعالى لما حكى غير العبارة لأنّ الحاكي هو المحكي فلا يصح لتوجيه الالتفات وإن ظنّ فتأمّله . قوله : ( على الحكاية لكلام اللّه ) يحتمل أنّ المراد حكاية موسى عليه الصلاة والسّلام لكلام اللّه بعينه ثم إن اللّه حكى ما