التهديد في أوّل الأمر أهمّ وأنجع وبالواقع أليق
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
أي بعدما أتياه وقالا له : ما أمرا به ولعله حذف لدلالة الحال عليه فإنّ المطيع إذا أمر بشيء فعله لا محالة ، وإنما خاطب الاثنين وخص موسى عليه الصلاة والسّلام بالنداء لأنه الأصل وهارون وزيره وتابعه ، أو لأنه عرف أنّ له رتة ولأخيه فصاحة فأراد أن يفحمه ويدلّ عليه قوله : أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ
من الأنواع
خَلْقَهُ
صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له ، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به وقدّم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه ، وقيل أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا وقرئ خلقه صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ فيكون
شرح
والوعيد هو العذاب والتوكيد بأنّ وقد ، وأوّل الأمر أي أمر الدعوة أنجع أي أنفع وأوفق وأليق بالواقع لأنه معذب لإصراره على كفره وطغيانه وهذا لا ينافي ما مرّ في قوله تعالى :فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً[ سورة طه ، الآية : 44 ] لأنه لم يوجه بهذا ولم يصرّح بأنه له ولذا قدّم الترغيب فيه على الترهيب . قوله : ( أي بعد ما أتياه وقالا له الخ ) خطابهما وجهه ظاهر لأنّ الكلام معهما وأمّا كونه لم يقل من ربي فأظهر لأنه لا يعترف بالربوبية في الظاهر ، وقوله : لأنه الأصل أي في الدعوة والرسالة ويحتمل أنه لأنه يزعم أنه ربه لتربيته له فهذا أوفق بتلبيسه على الأسلوب الأحمق ، ويجوز أنه لتكبره عن أن يخاطب هارون . قوله : ( أو لأنه عرف أنّ له رتة ) قيل : يرده ما شاهده منه عليه الصلاة والسّلام من حيث البيان القاطع لطمعه الفارغ وأمّا قوله : ولا يكاد يبين فمن غلوّه في الخبث والذعاة ، وليس بشيء لما مرج من أنها لم تذهب بالكلية عند كثير من المفسرين ، وحسن بيانه بقطعية حججه وهو لا ينافي الرتة ، ويفحمه بمعنى يسكته وقوله : ويدلّ عليه أي على أنّ موسى خص بالخطاب لهذا الوجه وكونه من غلوّه لا ينافيه كما توهم ولا خفاء في وجه الدلالة كما توهم إذ ليس المراد بها الدلالة القطعية بل التأييد له كما هو دأبه .
قوله : ( من الأنواع ) إشارة إلى أن كل لعموم الأنواع لا لعموم الأفراد لئلا يلزم الخلف ويرد النقض بأن بعض الأفراد لم يكمل لعارض يعرض له ، وفسر خلقه بمعنى مخلوقه بالصورة والشكل وهو الهيئة التي بها تشكله لأنّ نفس الخلق المصدري ليس بمعطي ولأنه لا بدّ من تغاير المعطي وهو ما ذكر والمعطى له وهو المادّة والضمير لشيء لا لكل ، والإضافة اختصاصية اتصالية . قوله : ( وأعطى خليقته الخ ) أي مخلوقاته فالخلق بمعنى المخلوق والضمير للموصول ويرتفقون بمعنى ينتفعون ، وقوله : لأنه المقصود الخ إذ المقصود الامتنان به ، وقوله :
وقيل أعطى كل حيوان نظيره الخ فيختص بالحيوان بخلاف ما قبله ولذا مرّضه لأنه لا يلائم لفظة كل ، واعترض عليه بأنّ من الحيوان ما يحصل بالتولد فلا نظير له ورد بأنّ كل للتكثير وهو كثير في كلامهم وبأنّ المصنف لم يرتضه حتى يرد عليه شيء بل هو يؤيد تمريضه وقيل :
المراد من الزوج الأنثى لا الازدواج فالمعنى أنه جعل كل حيوان ذكرا وأنثى والإضافة على هذا من إضافة المشبه للمشبه به . قوله : ( وقرئ خلقه الخ ) أي بصيغة الماضي المعلوم وكونه صفة