تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
المفعول الثاني محذوفا أي أعطى كل مخلوق ما يصلحه
ثُمَّ هَدى
ثم عرّفه كيف يرتفق بما أعطى وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها ودلالته على أنّ الغنيّ القادر بالذات المنعم على الإطلاق هو اللّه تعالى وأنّ جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حدّ ذاته وصفاته وأفعاله ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عليه فلم ير إلا صرف الكلام عنه
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
أي أنه غيب لا يعلمه إلا اللّه وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به
فِي كِتابٍ
مثبت في اللوح المحفوظ ويجوز أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده
شرح
لأنه شأن الجملة الواقعة بعد النكرات ، وقوله : على شذوذ لأنّ الشائع في الاستعمال وصف مدخول كل والمفعول الثاني محذوف لقصد التعميم وهو ما يصلحه وجعله الزمخشريّ من باب يعطي ويمنع والمعنى لم يخله من إعطائه وإنعامه وهذا أبلغ معنى ما ذكره المصنف أحسن صناعة ، وموافقة للمقام . قوله : ( ثمّ عرّفه كيف يرتفق بما أعطى ) على العموم فيه تجوّز لأنّ كل شيء لا يوصف بالمعرفة وفي جري هذا على الوجه الأوّل تأمّل ؛ وقوله : في غاية البلاغة أي الحسن والفصاحة لأنها تستعمل بهذا المعنى ويصح أن يراد بها معناها المصطلح لمطابقته لمقتضى المقام لما فيه من الإلزام والإفحام دفعة واحدة وإعرابه بمعنى إظهاره ودلالته ، وقوله : عن الموجودات بأسرها هو مناسب للوجهين الأوّلين ، وقوله : على مراتبها يفهم من الإضافة . قوله : ( ودلالته على أنّ الغنيّ القادر الخ ) لأن الإنعام على الكل بالكل منه فيلزم أنه غنيّ قادر منعم على الإطلاق ، وقيل : إنّ الشيء في الآية بمعنى المشيء فلو لم يكن تعالى غنيا قادرا بالذات لكان شيئا بهذا المعنى أيضا ولا شائي إلا هو فتكون قدرته مثلا حادثة بالشيئة وهو باطل لأنّ القدرة صفة تؤثر على وفق تعلق الإرادة فيلزم وجودها حال فرض عدمها وفيه تأمّل . قوله : ( في حدّ ذاته الخ ) لاندراجها تحت الشيء وصفاته على ما دلّ عليه قوله : خلقه وأفعاله من قوله : هدى وقوله : عن الدخل عليه من قولهم دخل عليه بالبناء للمجهول إذا غلط وصرف الكلام عنه بقوله : قال الخ . قوله : ( فما حالهم ) البال الفكر يقال : خطر ببالي كذا ثم أطلق على الحال التي يعتني بها وهو مراده ولا يثنى ولا يجمع إلا شذوذا في قولهم بالات ، وقوله : من السعادة والشقاوة يعني أنّ المسؤول عنه حالهم في الآخرة أي تفصيلا وإلا فقد سبق إجماله في قوله والسّلام على من اتبع الهدى وأنّ العذاب على من كذب وتولى ، ولذا قرنه بالفاء لأنه تفصيل متفرّع على ذلك الإجمال . قوله : ( أي أنه غيب لا يعلمه إلا اللّه ) يجوز أن يكون الحصر والدلالة على كونه غيبا مستفادا من معنى الكلام لأنه إذا كان عند اللّه فهو من المغيبات وهي لا يعلمها إلا اللّه ، وأن يكون الغيب من عند اللّه لأنّ معناه في حفظه والمحفوظ مصان مغيب والحصر من المصدر المضاف المفيد للعموم ، والاستغراق كما قرّروه في ضربي زيدا قائما فالمعنى جميع علمها تفصيلا عنده ولو علم شيئا منه غيره لم يكن كذلك . قوله : ( مثبت في
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 356 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي