الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ولذلك قدم الأوّل أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أي يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط إذا تقدّم ومنه الفارط وفرس فرط يسبق الخيل ، وقرئ يفرط من أفرطته إذا حملته على العجلة أي تخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسيّ أو جنيّ على المعاجلة بالعقاب ويفرط من الإفراط في الأذية
أَوْ أَنْ يَطْغى
أن يزداد طغيانا فيتجرّأ إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما
بالحفظ والنصر
أَسْمَعُ وَأَرى
ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأحدث في كل حال ما يصرف شرّه
شرح
وترك الاعتراض ولا شبهة في أنّ في أفعاله حكما ومصالح تترتب عليها ، وإنّ العقل طالب الوقوف عليها بقدر الإمكان ولا ضير في عدم الوقوف على بعضها ، وهذا مما اتفق عليه أهل السنة وغيرهم فلا وجه لما قيل إنه مناسب لمذهب الاعتزال ولا تخصيص لفرعون بهذا حتى يقال : كم من جبار طاع لم يرسل إليه فإنه من الأوهام الواهية . قوله : ( والتذكر للمتحقق الخ ) حاصله أن التذكر والخوف داعيان إلى الإيمان إلا أنّ الأوّل للراسخين المتحققين صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ولذا قدم والخشية لمن يتوهمه فالمعنى باشراه على رجاء تحقق فرعون صدقكما فيتذكر ويتعظ أو يتوهمه فيخشى . قوله : ( أن يعجل علينا الخ ) قيل إنه يردّه قوله تعالى :وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما[ سورة القصص ، الآية : 35 ] فإنه مذكور قبل قولهما هذا وهو يدلّ على حفظهما عن عقوبته ورد بأنه تفسير مأثور عن كثير من السلف كمجاهد فلا ينبغي المبادرة لردّه ولا تعيين في قوله : فلا يصلون إليكما فيجوز أن يكون معناه فلا يصلون إلى إلزامكما بالحجة مع أن تقدّمه غير معلوم ولو قدّم في الحكاية لا سيما والواو لا تدلّ على ترتيب مع أنه قدم في تفسير قوله : فقولا له قولا لينا ما ينافيه والفارط المتقدّم للمورد والمنزل وفرس فرط بضمتين معناه ما ذكر وفي القاموس أنه بفتحتين فليحرّر وقوله : وقرئ يفرط أي بضم الياء وفتح الراء وفي القراءة الآتية بكسرها ، وقوله : أن يزداد طغيانا لأنّ أن للاستقبال والطغيان صفة له قبل ذلك لقوله إنه طغى فلا بدّ من تأويله بما ذكر أو بطغيان مخصوص كما أشار إليه بقوله : فيتجرّأ أي يحصل له جراءة وجسارة على اللّه وفي كلامه إشارة إلى أنّ فاعل يفرط ضمير فرعون ، وقيل هو راجع إلى القول المفهوم من السياق . قوله :
( وإطلاقه ) بالرفع أي إطلاق يطغى إذ لم يقيد بقوله : عليك أو علينا قيل وجوّز جرّه عطفا على جراءته أي لكونه غير مقيد بحسن الأدب مع اللّه أو معنا ، ومثله داع إلى التخطي عن حدّه والوجه الأوّل وهو المذكور في الكشاف . قوله : ( بالحفظ والنصر ) إشارة إلى ما قاله الإمام من أنّ كونه معهما عبارة عن الحراسة والحفظ كما يقال : اللّه معك على سبيل الدعاء ، وأكد ذلك بقوله :أَسْمَعُ وَأَرىكما أشار إليه المصنف بقوله : فأحدث الخ . قوله : ( ما يجري بينكما الخ ) عدم ذكر المفعول إمّا بتنزيله منزلة اللازم أو لقصد العموم بتقديره عاما لعدم قرينة