لِسانِي
* يَفْقَهُوا قَوْلِي
فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه ، وذلك أنّ فرعون حمله يوما فأخذ لحيته ونتفها . فغضب وأمر بقتله فقالت آسية إنه صبي لا يفرق بين الجمرة والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه ولعل تبيض يده ، كان لذلك وقيل احترقت يده واجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ ثم لما دعاه قال :
إلى أيّ رب تدعوني قال : إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنه ، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله قد أوتيت سؤلك يا موسى ، ومن لم يقل احتج بقوله : هو أفصح مني لسانا وقوله : ولا يكاد يبين وأجاب عن الأوّل بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه
شرح
لأنه لا بدّ له من متعلق ، فلما قال صدري علم تعيينا وتفضيلا وفي الإجمال والتفضيل تأكيد لأنه كذكره مرّتين ومبالغة بذكر الصدر مع أنه في الحقيقة للقلب الذي فيه ، كما أشار إليه بقوله : ويفسح قلبه وقيل عليه إنه كما أنّ اشرح لي يدل على أنّ ثمة مشروحا كذلك اشرح وحده يدل عليه لما فيه من الإبهام أيضا ، وأجيب بأنه لما كان المطلوب شرح شيء ما له لا على التعيين بخلاف اشرح فإنه لا يدل عليه أتى بذلك وإليه مال في المفتاح ، ويمكن أن يقال تقديم الظرف على المفعول به مؤيس عن ذكره فيحصل الإبهام بخلاف اشرح صدري فإنه لا يلتفت الخاطر فيه إلى غيره ، وقد يقال : إنّ هذا هو المراد بالمبالغة وقيل : المبالغة في البيان وهو يرجع إلى التأكيد وقيل : ذكر لي لزيادة الربط كما في قوله : اقترب للناس حسابهم ، وفي الانتصاف إنّ فائدة ذكره الدلالة على أنّ منفعة شرح الصدر راجعة إليه فإنه تعالى لا يبالي بوجوده وعدمه وقس عليه يسر لي أمري . قوله : ( فإنما يحسن التبليغ من البليغ ) أي من يقدر على إبلاغ كلامه من غير اعتقال لسان ، وليس المراد به معناه المصطلح ، ورتة بضم الراء المهملة وتشديد المثناة الفوقية حبسة ولكنة في اللسان وكذا كانت في الحسين رضي اللّه عنه ، وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيه إنه ورثها من عمه موسى عليه الصلاة والسّلام « 1 » وآسية هي امرأة فرعون ، وأحضرا مجهول وضمير التثنية للياقوت والجمرة ، وقوله : ولعل تبيض تفعل ، وفي نسخة تفعيل أي جعل اللّه لها بياضا كما مرّ ، وقوله : كان لذلك أي كان كرامة في مقابلة ذلك أي أخذه بلحيته أو أخذه النار بيده ، وقوله : عنه أي عن إبرائها ، وقوله : تمسك الخ لأنّ إيتاء سؤله بإجابة دعائه ومن جملته حلّ العقدة . قوله : ( احتج بقوله هو أفصح مني لسانا الخ ) فإنّ المراد بأفصح أبين فيقتضي نقص بيانه وقيل عليه أنّ الفصاحة اللغوية مقولة بالتشكيك كما يدل عليه صيغة أفعل فيجوز أن تكون فصاحة موسى بزوال الرتة وفصاحة أخيه بقوّة القدرة على الكلام مثلا مع أنه يجوز أن يكون قوله : هو أفصح قبل استجابة دعائه ، وقول فرعون بناء على ما عرفه منه قبل ذلك ، والاستدلال به وإن كان من كلام عدوّه لتقرير اللّه له ، ثم إنّ خاتمة المفسرين قال : إنّ قوله أفصح شاهد عليه لا له لأنّ فيه دلالة على أنّ موسى عليه الصلاة والسّلام كان
هامش
( 1 ) لم أجده وهو غريب جدا وقد بحثت عنه في الإصابة في ترجمته الحسين فلم أجده .